فاطمة المنصوري أمام امتحان تشكيل الحكومة واستعادة الثقة

تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات، وحصل على 97 مقعداً، متبوعاً بحزب الأحرار، ثم حزب الاستقلال، فالعدالة والتنمية. لكن ما استوقف المتابعين، قبل الدخول في تفاصيل الخريطة السياسية الجديدة، هو التعيين الملكي لفاطمة المنصوري رئيسة للحكومة، في سابقة وطنية غير مسبوقة، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب.
وعلى المستوى العربي، تُعد فاطمة المنصوري ثاني امرأة تتولى رئاسة الحكومة، بعد رئيسة الحكومة في تونس، وإن كانت الأخيرة من التكنوقراط وليست متحزبة، لتظل المنصوري بذلك أول امرأة متحزبة تتولى رئاسة الحكومة في العالم العربي.
ويأتي هذا التعيين في احترام للفصل 47 من الدستور، الذي ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات وحصل على أكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب.
وهناك أيضاً عرف سياسي يتمثل في تعيين زعيم الحزب رئيساً للحكومة. وفاطمة المنصوري هي منسقة حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما يجعل التعيين منسجماً إلى حد ما مع هذا العرف، وإن كان الفصل 47 لا يلزم بتعيين الأمين العام أو رئيس الحزب الذي تصدر الانتخابات.
كما يمكن وضع تعيين فاطمة المنصوري في سياق آخر، يتعلق بسير المغرب في طريق الحداثة، إذ لا يمكن اختزال رئاسة الحكومة في الرجال فقط، بل إن إشراك النساء في مواقع القرار يظل أمراً مهماً في هذا المسار. وبذلك تكون المنصوري قد فازت بهذا المنصب، وهو، كما قالت، تشريف لها، لكنه في الوقت نفسه تكليف.
مشاورات شاقة لتشكيل الحكومة
هذا التكليف يبدأ أولاً من المشاورات التي ستجريها فاطمة المنصوري مع الأحزاب الموجودة في الساحة السياسية المغربية. وهي مطالبة، أخلاقياً وسياسياً، بإجراء مفاوضات ومحادثات مع جميع الأحزاب، على الأقل تلك التي تبوأت مكاناً داخل مجلس النواب.
وحسب ما يروج في الساحة الإخبارية، فقد هاتفت المنصوري الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران، وكان بينهما حديث ودي، في انتظار استقباله رسمياً. وفي اليوم الثاني لتعيينها رئيسة للحكومة، بدأت مشاوراتها مع الأحزاب التي قد تقبل بأن تكون طرفاً في الائتلاف الحكومي.
هذه المشاورات ستكون عسيرة، خصوصاً أن الائتلاف الحكومي المقبل أمامه أوجه متعددة واحتمالات مختلفة.
فهناك من يرى أن عودة الائتلاف الحكومي القديم، المكون من الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال، قد تمنح أغلبية مريحة وأغلبية مطلقة داخل مجلس النواب، وقد تنهي بذلك مشاورات تشكيل الحكومة.
لكن هناك معطى مهماً يتعلق بحزب الأحرار، الذي كان يقود الحكومة السابقة من خلال رئيسه ورئيس الحكومة عزيز أخنوش. فالحزب لم يترك، بحسب الطرح الوارد في هذا السياق، انطباعاً حميداً لدى المغاربة، بل واجه انتقادات لاذعة، سواء داخل مجلس النواب أو على المستوى الواقعي.
ويُستحضر هنا ما شهدته مناطق مثل زيد وبوكماز ونواحي تاونات من خرجات واحتجاجات، اعتبرت تنديداً بالسياسة المتبعة.
كما يُؤخذ على الحكومة السابقة أنها لم تتمكن، إلى حد ما، من إسعاد المواطنين المغاربة، خصوصاً فيما يتعلق بالعيش الكريم والطبقات الهشة والفقيرة.
وهذا الاستياء الذي تركته الحكومة السابقة قد يرخي بظلاله على المشاورات التي تقودها فاطمة المنصوري لتشكيل الحكومة، لأن عودة التشكيلة الثلاثية السابقة، وخصوصاً حزب الأحرار، قد تُفهم، في نظر بعض المحللين، على أنها لا تستجيب لطموح المغاربة في الذهاب بعيداً في إنجاز المشاريع والتخفيف من حدة الضغط الذي يلمسونه في حياتهم المعيشية.
كما أن تصريحات سابقة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش تركت بدورها استياء لدى المغاربة، خصوصاً حين تحدث في البرلمان عن معرفته بثلثي المستثمرين، وما قد يفهم من حديثه عن إمكانية التواصل معهم في سياق معين. وهذه المسائل، بحسب هذا الطرح، لم تُنسَ ولن ينساها المواطنون.
لذلك يرى بعض المراقبين والمحللين أن دخول الأحرار إلى الحكومة الجديدة التي ستقودها فاطمة المنصوري قد يكون محدوداً نسبياً.
احتمالات متعددة للأغلبية
هناك احتمال آخر يتمثل في تشكيل الحكومة من الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، وإن كان حزب الاستقلال نفسه يجر وراءه بعض التبعات والملاحظات التي قد لا تريح بعض المواطنين، ومن بينها قضية امتلاك أمينه العام نزار بركة قطعة أرضية بمليار سنتيم، والتساؤلات التي أثيرت حولها آنذاك قبل الانتخابات، من قبيل: من أين لك هذا؟
لكن الظرف السياسي والبحث عن ائتلاف حكومي يفرضان على فاطمة المنصوري اللجوء إلى الأحزاب من أجل توفير 198 مقعداً على الأقل في مجلس النواب لضمان الأغلبية، وإن لم تكن أغلبية مطلقة.
وقد يكون هناك احتمال يجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية، مع انضمام الاتحاد الدستوري مثلاً، وبذلك تحصل فاطمة المنصوري على 208 مقاعد، بما يمكنها من أغلبية مطلقة ومريحة في البرلمان.
وهناك احتمال آخر يتمثل في دخول الاتحاد الاشتراكي إلى جانب الأصالة والاستقلال والحركة، ليصبح هذا الائتلاف متوفراً على 217 مقعداً.
كما يمكن أن تنضم الحركة الديمقراطية الاجتماعية إلى الأصالة والاستقلال والحركة، بما يوفر تقريباً 199 مقعداً.
وهكذا، فإن الاحتمالات متعددة وكثيرة لتشكيل الائتلاف الحكومي، لكن جميعها تظل نسبية، وستكشف المشاورات التي تقودها فاطمة المنصوري مع الأحزاب عن الائتلاف الذي ستختاره، وعن الأغلبية التي ستكون لها في مجلس النواب، حتى تتمكن من قيادة الحكومة بطريقة سلسة ومن دون احتمال إسقاطها في أي لحظة.
العدالة والتنمية.. خط أحمر
هناك معطى مهم يتمثل في موقف حزب العدالة والتنمية، الذي عبّر أمينه العام عبد الإله بن كيران منذ البداية عن اعتبار المشاركة في ائتلاف حكومي مع الأصالة والمعاصرة خطاً أحمر.
وقد قال بن كيران صراحة إن العدالة والتنمية لن يدخل في الائتلاف الحكومي الذي تقوده الأصالة والمعاصرة.
وقد يطرح البعض سؤالاً حول أسباب هذا التشنج السياسي. فالأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية يمكن اعتبارهما خصمين سياسيين، وإن كانت الخصومة في السياسة ليست دائمة.
لكن منذ نشأة الأصالة والمعاصرة، ظل كلام يتردد حول كون الحزب أنشئ من أجل محاربة الإسلاميين، وهي مسألة لم تُنسَ بالنسبة لعبد الإله بن كيران.
كما ذهب بن كيران أبعد من ذلك خلال الأيام القليلة الماضية، حين أعلن أحمد الشرعي، الصحفي ومالك إحدى الإذاعات، وصاحب مقولة «كلنا إسرائيليون»، دعمه لفاطمة المنصوري لتكون رئيسة للحكومة.
وأثار هذا الموقف انزعاج عبد الإله بن كيران، الذي تبرأ من المسألة ودعا فاطمة المنصوري إلى التبرؤ منها وعدم الاعتراف بالادعاء الذي قاله أحمد الشرعي.
بل ذهب بن كيران إلى أكثر من ذلك، واعتبر أن عدم تبرؤ فاطمة المنصوري من أحمد الشرعي يجعلها، في نظره، مرشحة إسرائيل لتكون رئيسة الحكومة في المغرب.
ويبقى هذا الكلام، كما ورد في الطرح، كلاماً صعباً وكبيراً، ويتحمل عبد الإله بن كيران، بصفته أميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية، مسؤوليته عنه. والمهم هنا هو أن هذا ما قيل على لسانه.
حكومة أمام وعود انتخابية ثقيلة
قد لا نحتاج إلى الإطالة أكثر في الاحتمالات المتعلقة بتشكيل الحكومة الائتلافية. فهذه الحكومة ستظهر إلى الوجود، وحزب الأصالة والمعاصرة لا يحتاج الآن إلا إلى 101 مقعد إضافي داخل مجلس النواب ليكتمل عنده النصاب، بعدما حصل على 97 مقعداً.
والتوفيق لفاطمة المنصوري يبقى أمراً متمنياً، كما يبقى الأهم أن تسير البلاد في الطريق الصحيح، وأن تتشكل الحكومة وتسير الأمور في طريقها العادي.
لكن مهمة الحكومة المقبلة، ومهمة فاطمة المنصوري كرئيسة للحكومة، ليست سهلة.
فخلال الحملة الانتخابية كانت هناك سجالات كثيرة بين الأحزاب، ونقاشات، بل وكشف لأسرار.
ومن بين ما يُستحضر في هذا السياق ما قاله فوزي لقجع، الذي التحق مؤخراً بالأصالة والمعاصرة، حين أثار ضجة بالحديث عن صرف 280 مليار درهم من أجل تخفيف حدة الأسعار وأزمة العيش بالنسبة للطبقات الهشة والفقيرة، من دون أن يظهر أثر ذلك على أرض الواقع.
هذا الرقم لم يكن معروفاً، بحسب الطرح الوارد، قبل أن يكشفه فوزي لقجع خلال حملته الانتخابية، وهو ما جعل كلامه يترك أثراً عميقاً.
وهنا يطرح السؤال: هل تستطيع فاطمة المنصوري كشف هذه الأمور وتبريرها وتعليلها وبيان أين ذهبت هذه الأموال وكيف صُرفت؟
كما طُرح سابقاً أن 13 ملياراً ذهبت فيما يسمى، بين قوسين، بـ«الفراشية»، في سياق قضية دعم الخروف ودعم استيراد الأغنام من أجل عيد الأضحى في الأشهر الماضية.
لكن هذه القضايا ليست وحدها أمام الحكومة المقبلة.
الوعود الانتخابية.. هل تتحول إلى واقع؟
الأمور التي وعد بها حزب الأصالة والمعاصرة ليست برنامجاً للحزب وحده، لأن أغلب الأحزاب التي خاضت الانتخابات وسعت إلى احتلال الصف الأول كانت لديها وعود ولم تكن لديها برامج واضحة.
وهذا الأمر اعتاده المغاربة خلال السنوات الماضية وفي مختلف المحطات والاستحقاقات الانتخابية.
فالأحزاب، في كثير من الأحيان، تقدم وعوداً ولا تلتزم بها، ولا يتم إنجازها أو تطبيقها على أرض الواقع، وهنا تبدأ خيبة المواطنين، وتزداد الأزمات والاحتقان داخل المجتمع المغربي، وتظهر في شكل احتجاجات ومظاهرات، أو في شكل نقاشات سياسية داخل مجلس النواب وانتقادات للحكومة.
ومن أبرز هذه الانتقادات تلك التي كانت تصدر عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، خصوصاً من عبد الله بوانو، الذي أحرج في كثير من الأحيان حكومة عزيز أخنوش.
ومهما تكن المفاوضات والمحادثات والنقاشات التي ستجريها فاطمة المنصوري مع الأحزاب من أجل تشكيل ائتلاف حكومي قادر على قيادة المرحلة المقبلة والسير بها في الطريق الصحيح، فإن هناك وعوداً أطلقت خلال الحملة الانتخابية.
ولا يتعلق الأمر، في هذا الطرح، ببرامج بالمعنى السياسي والاجتماعي والاقتصادي الحقيقي، لأن أغلب أو كل الأحزاب التي خاضت الانتخابات الأخيرة في 23 شتنبر 2026، أو خاضت محطات سابقة، لم تكن لها برامج بهذا المعنى، وإنما كانت لها مجرد وعود.
وحزب الأصالة والمعاصرة أطلق بدوره وعوداً يتعين عليه التعهد بها وتنفيذها.
ومن بين هذه الوعود، ما أطلقه الحزب خصوصاً على لسان فوزي لقجع، الذي كان يتحرك كثيراً ويتحدث عن هذه الوعود، ومنها العمل على تخفيض أسعار المواد الغذائية وإعادتها إلى مستوياتها العادية.
وهذا أمر مهم، لأن المواطن المغربي يعاني من غلاء المعيشة، خصوصاً الطبقة الفقيرة والهشة، وحتى الطبقة المتوسطة التي عرفت، بحسب هذا الطرح، تراجعاً خلال السنوات الأخيرة.
ثم هناك قضية الدعم المباشر، وإلغاء المؤشر، ورفع الدعم إلى 1000 درهم بدلاً من 500 درهم، باعتبار أن 500 درهم، في نظر فوزي لقجع وحزب الأصالة والمعاصرة الذي ينطق باسمه، مبلغ ضئيل جداً، كما أن المؤشر المعتمد في حكومة أخنوش كان، حسب ما يروج، ظالماً أو مجحفاً إلى حد ما.
ومن بين الوعود أيضاً قضية فاتورة الكهرباء، التي يُتعهد بإعفائها إذا كانت في حدود 100 درهم، وهو تعهد يتطلب التقيد به وتنفيذه.
وهناك كذلك توفير مليون منصب شغل، وتوفير السكن لمن لا يملكه، وإصلاح قطاعي التعليم والصحة وغيرهما من القطاعات الاجتماعية المهمة.
فالتعليم والصحة يعيشان، بحسب هذا الطرح، حالة من التقهقر، والناس يشتكون كثيراً من الخدمات الصحية في المستشفيات ومن التعليم.
كما أن جل العائلات المغربية تتحمل مصاريف كبيرة من أجل تعليم أبنائها في المدارس الحرة، التي أصبحت منتشرة حتى في الأحياء، وليس فقط في المدن، وقد تضطر الأسرة إلى دفع نصف راتبها أو أكثر من أجل تعليم أبنائها.
والسبب أن الأسر ترى أن التعليم الحكومي أصبح، إلى حد ما، لا يؤدي ما يحتاجه الآباء وأولياء التلاميذ من ضبط وتدريس حقيقي ورعاية حقيقية داخل المدارس الحكومية.
ومن بين التعهدات أيضاً رفع الحد الأدنى للأجور «السميك» إلى 5000 درهم، بدل 3000 درهم المعمول بها حالياً.
لكن كيفية تنفيذ هذا التعهد تظل من الإشكالات الصعبة، حسب المحللين الاقتصاديين، لأن رفع الحد الأدنى للأجور من 3000 إلى 5000 درهم يعني إضافة 2000 درهم إلى الراتب.
حكومة 2030 أمام تحديات كبرى
هذه بعض التعهدات، لكن الحكومة المقبلة التي ستقودها فاطمة المنصوري تدخل أيضاً على التزامات وتحديات أخرى.
أول هذه التحديات إنجاح العرس الرياضي الذي ينتظره المغرب سنة 2030، باعتباره طرفاً إلى جانب إسبانيا والبرتغال في تنظيم كأس العالم.
هذا الكأس ظل المغرب يسعى إلى احتضانه منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وظل يقدم ترشيحه في كل مرة إلى أن تمكن من تنظيمه عبر الشراكة الثلاثية مع إسبانيا والبرتغال في 2030.
وقد أنفق المغرب الكثير على البنيات التحتية، وعلى بناء وترميم الملاعب وإقامة ملاعب جديدة وغيرها.
لكن السؤال هو: هل سيتوقف المغرب في هذا الطريق؟
الجواب، وفق هذا الطرح، هو لا. فلا مجال للعودة إلى الوراء، خصوصاً أن المغرب يتقدم نحو إنجاز مشاريع ضخمة على مستوى البنيات التحتية.
وقد بدأت هذه المشاريع منذ تولي الملك محمد السادس الحكم، من الطرق والموانئ وغيرها من المشاريع، وصولاً إلى الملاعب الرياضية الضخمة التي تضاهي الملاعب الموجودة في أوروبا.
وهذا تحد آخر أمام حكومة فاطمة المنصوري.
القضية الوطنية الأولى
هناك أيضاً تحد آخر يتعلق بالقضية الوطنية الأولى للمغرب.
فقد نشهد، خلال السنوات المقبلة، تنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية الجنوبية، وهو ما قد يستدعي، ربما، تعديل الدستور، كما سيستدعي تطبيق الفصول وما جاء في تفاصيل الحكم الذاتي المتفق عليه.
وهذا ورش كبير يجب أن تكون الحكومة مستعدة له، وعلى رئيسة الحكومة أن تنجحه بأي حال من الأحوال.
والحكومة تنفذ كذلك ما يصدر عن العاهل المغربي الملك محمد السادس من توجيهات في هذا الملف، باعتباره ملفاً شائكاً وكبيراً ووطنياً بامتياز، يتطلب تكاتف الجهود بين الحكومة والقصر الملكي حتى يسير في الطريق الصحيح، وبدعم من المواطنين المغاربة.
لن تكون المنصوري وحدها في هذه المعمعة، بل إن المغاربة، وفق هذا الطرح، سيكونون يداً في يد من أجل إنجاح ورش تنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية.
استعادة الثقة.. التحدي الأكبر
هناك أسئلة أخرى تُطرح حول التشكيلة الحكومية المقبلة وحول مآلات العمل الحكومي.
والأمل هو أن تسير الأمور في الاتجاه الصحيح، وأن تكون هناك حكومة يراها المغاربة بقيادة امرأة لأول مرة، وقادرة على إعادة الثقة للمغاربة، أولاً في حكومتهم، ثم في الأحزاب السياسية وفي تسيير البلاد على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ويبقى السؤال: هل الأحزاب التي خاضت الانتخابات والتي ستشكل الحكومة تمتلك فعلاً برامج حقيقية لم تعلن عنها لتعمل عليها خلال خمس سنوات؟
إذا لم تكن لديها برامج، فإن ذلك يطرح إشكالاً كبيراً، لأن الأمر قد يعني وجود تخبط، وهذا التخبط قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، خصوصاً أن هناك في المغرب طبقات اجتماعية متضررة إلى حد ما، ويجب جبر ضررها والإصغاء إليها ومعرفة أحوالها.
ويقتضي ذلك النزول إلى الشارع.
فلم نر، وفق هذا الطرح، وزيراً ينزل إلى الشارع أو برلمانياً ينزل إلى الحي أو الدائرة التي انتُخب فيها وحصل فيها على أصوات وثقة المواطنين.
المطلوب هو النزول إلى الشارع، والذهاب إلى المواطنين لمحاورتهم، وعلى الأقل طمأنتهم بأن هناك حكومة تعرف أن هناك مواطنين منحوها أصواتهم وينتظرون منها معالجة قضاياهم، خصوصاً الاجتماعية والاقتصادية.
معارضة أقوى داخل البرلمان
وهذا يقود إلى سؤال آخر مهم داخل مجلس النواب، أو داخل البرلمان بصفة عامة: هل ستكون الحكومة المقبلة التي تقودها فاطمة المنصوري في وضع مريح داخل قبة البرلمان، كما كانت، إلى حد ما، حكومة أخنوش؟
حكومة أخنوش لم تكن لها معارضة قوية، باستثناء صوت العدالة والتنمية الذي كان يرتفع من حين لآخر عبر النائب البرلماني ورئيس المجموعة بوانو، الذي كان يحرج رئيس الحكومة أخنوش بأسئلته وبما كان يثيره من ملفات.
لكن هل سيظل الوضع نفسه؟
لا يبدو الأمر كذلك، لأن المشهد اليوم ليس كما كان بالأمس.
فالعدالة والتنمية كانت تتوفر سابقاً على 13 مقعداً، إضافة إلى بعض المقاعد لليسار، بينما أصبحت اليوم تتوفر على 54 مقعداً، إضافة إلى ثمانية مقاعد لليسار، ممثلاً في الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار.
وقد تنضاف إلى هذه المكونات أحزاب أخرى، مثل التقدم والاشتراكية، وربما يكون هناك احتمال لانضمام الأحرار إلى المعارضة، ولو كانت معارضة شكلية.
وبذلك فإن المعارضة داخل مجلس النواب خلال الفترة المقبلة، أي السنوات الخمس المقبلة، قد تكون معارضة شرسة.
وهذا يعني أن الحكومة ستواجه ملفات وانتقادات، وعليها أن تحرص على تجاوز هذه التحديات داخل الحكومة.
ولا ينبغي نسيان أن عبد الإله بن كيران صرح سابقاً بأنه سيعمل على إسقاط الحكومة.
وهذا أمر سابق لأوانه بطبيعة الحال، لكن إذا قال شيئاً، فقد يعمل عليه، وإذا لم يتمكن، فقد تكون المعارضة، خصوصاً من طرف العدالة والتنمية، قوية وشرسة، بما قد يحمل الحكومة المقبلة عبئاً ثقيلاً في مواجهة هذه المعارضة.
الديمقراطية تبدأ من الانتخابات
في نهاية المطاف، فإن الديمقراطية، سواء في المغرب أو في أي بلد آخر، لا يمكن أن تكون ناجحة إلا إذا كانت مبنية على أسس وعلى عقلانية في تدبير الأمور.
وهي تبدأ أولاً من الانتخابات.
فالمغرب، بحسب هذا الطرح، ما زال لم يشهد مشاركة قوية من شرائح واسعة من المجتمع، خصوصاً المثقفين.
وغالباً ما نرى أن الطبقات الفقيرة هي التي تستغل في الانتخابات ويتم إقحامها، سواء خلال فترة الدعاية والحملات الانتخابية والترويج للوعود، أو حتى عند التوجه إلى صناديق الاقتراع.
ولم تُشاهد، وفق هذا الطرح، الطبقة البرجوازية وهي تنزل إلى الشارع وتقود أو تشارك في الحملات الانتخابية، باستثناء المرشحين.
بل إن بعض المرشحين نزلوا لفترة قصيرة، ثم صعدوا إلى سياراتهم وذهبوا وفازوا، وربما كان هناك من يعمل مكانهم.
لذلك يجب أن تبدأ الديمقراطية من الأحزاب، وهذا هو الأهم.
فالأحزاب لا ينبغي أن تظهر فقط أثناء الانتخابات والدعاية والحملات الانتخابية، بل يجب على الأحزاب السياسية المشكلة للخريطة السياسية في المغرب أن تكون حاضرة في الشارع المغربي، وأن تمنح الثقة للمواطن المغربي، وتطمئنه، وتعمل على فهمه والإنصات إليه.
كما أن الطبقات الهشة تعرف، بحسب هذا الطرح، انتشار الأمية والجهل إلى حد ما. وهذا ليس مسألة ذم، وإنما واقع.
لذلك ينبغي على الأحزاب السياسية ألا تستغل هذا الوضع بنثر الأموال من أجل شراء الأصوات، لأن ذلك يسيء إلى الديمقراطية في المغرب.
ويُشار هنا إلى أن عدد المصوتين لا يتعدى 5 ملايين، وأن حزب الأصالة والمعاصرة، حسب ما يشاع، حصل على المرتبة الأولى بـ4% من الأصوات المعبر عنها.
وبالتالي فإن نسبة مشاركة بلغت 38.02% تُعتبر، وفق هذا الطرح، نسبة ضئيلة جداً وتسيء إلى الديمقراطية المغربية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في هذه النسبة وفي هذه الانتخابات، وقراءتها قراءة صحيحة من طرف الأحزاب السياسية، وتصحيح أخطائها، والقيام بدورها في تأطير المجتمع، ومحاولة جر الشباب إلى العمل السياسي.
فهذه الانتخابات، بحسب الطرح نفسه، لم تعرف مشاركة قوية للشباب.
والمغرب مجتمع قاعدته شابة، على عكس الدول الأوروبية التي يغلب عليها كبار السن.
ومن الضروري استثمار هذه الفئة الشابة وتأطيرها وإقحامها داخل المجتمع، حتى تكون فاعلة فيه، من أجل مصلحة المجتمع المغربي ومصلحة الوطن.
وفي النهاية، تبقى فاطمة المنصوري أمام مهمة كبيرة، والحكومة المقبلة أمام تحديات متعددة، فيما يبقى الأمل في أن تسير الأمور في الاتجاه الصحيح، وأن تستعيد المؤسسات السياسية ثقة المواطنين، وأن يكون للحكومة المقبلة حضور فعلي في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن تتحول الوعود التي قُدمت خلال الانتخابات إلى واقع ملموس.
