أزمة وقود الديزل العالمية واُنعكاسها على السوق الوطنية

عندما يصبح الوقود عنواناً لأزمة عالمية
قد تبدأ الحرب في مكان بعيد، وقد يغلق مضيق في نقطة جغرافية لا تكاد تُرى على الخريطة، وقد تتعرض مصفاة أو منشأة للطاقة لهجوم في مكان آخر من العالم… لكن آثار كل ذلك لا تبقى هناك.
سرعان ما تتحول الحرب إلى أرقام في أسواق الطاقة، ثم إلى ارتفاع في أسعار الوقود، وبعدها إلى تكاليف إضافية على الصناعة والفلاحة والنقل والتجارة، وفي النهاية تصل الفاتورة إلى المكان الذي يشعر بها الجميع: جيب المواطن.
هذه هي قصة أزمة الديزل التي أصبحت واحدة من أكثر الملفات إثارة للقلق في أسواق الطاقة العالمية خلال هذا الأسبوع.
أزمة لم تعد مجرد اضطراب عابر في سوق المحروقات، بل أصبحت عنواناً لتشابك مجموعة من الأزمات والحروب والتوترات الدولية، من الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، إلى التصعيد في باب المندب، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية التي تدخل عامها الرابع أو الخامس وتستهدف بنيات الطاقة لدى الطرفين.
وبين هذا كله، يقف العالم أمام سؤال واضح: هل دخل سوق الديزل فعلاً مرحلة جديدة من الاختناق؟
أزمة الديزل.. العالم يراقب والسوق تضيق
العناوين القادمة من كبريات وسائل الإعلام العالمية لا تترك مجالاً كبيراً للطمأنينة، حديث عن حظر روسي، وقيود أمريكية محتملة، وعن احتمال دخول سوق الديزل مرحلة نقص عالمي، وحديث آخر عن أزمة تشتعل عالمياً، وعن أوروبا التي تواجه ارتفاعاً حاداً في أسعار الوقود، وتجد نفسها مطالبة بالاستجابة لضغوط أمريكية، وعن الصين التي توقف صادراتها من هذه المادة، ثم حديث عن مجموعة السبع، وسحب كميات ضخمة من مخزونات الديزل والنفط الخام، وفي الخلفية، تبرز تصريحات مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، الذي تحدث عن بدء انخفاض أسعار النفط عقب قرار السحب من الاحتياطيات.
كل هذه العناوين، مهما اختلفت صياغاتها، تقود إلى سؤال واحد: ماذا يحدث فعلاً في سوق الديزل؟
روسيا تضيق الخناق على صادرات الديزل
لفهم جانب من هذه الأزمة، لا بد من التوقف عند روسيا، فروسيا تعد ثاني أكبر مصدر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، بصادرات تجاوزت 800 ألف برميل يومياً خلال العام الماضي، وفق بيانات وكالة (ستاندرد آند بورز غلوبال)، وفي نهاية الشهر الماضي، وقد قررت تمديد القيود المفروضة على صادرات الديزل من المنتجين، حتى نهاية أكتوبر 2026، والسبب، وفق السلطات الروسية، هو تضرر عمليات التكرير جراء الهجمات الأوكرانية، على بنيات النفط والطاقة الروسية.
وهكذا، فإن السوق العالمية لا تواجه فقط مشكلة ارتفاع الطلب أو الأسعار، وإنما تواجه أيضاً مشكلة تتعلق بالإمدادات نفسها، والقصة لا تتوقف عند روسيا وحدها فحسب، إذ هناك منتج عالمي كبير آخر، يقيّد صادراته، فيما يتعرض قطاع الطاقة لديه لضغوط مرتبطة بالحرب، ويبحث بدوره عن مخرج، وهو الولايات المتحدة الأمريكية.
فالولايات المتحدة، التي تعد أكبر مصدر للديزل، تجد نفسها هي الأخرى أمام ارتفاع كبير في الأسعار، ما دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى دراسة مجموعة من الخيارات، تبدأ بخفض الصادرات طوعياً، ثمّ فرض قيود جزئية، وربما قد تصل إلى حظر كامل.
وهنا تتضح المفارقة أكثر، فالسوق التي تحتاج إلى المزيد من الإمدادات تواجه في الوقت نفسه احتمال تقليص الصادرات من بعض أكبر المنتجين، وهذا وحده كافٍ لزيادة الضغط على الأسعار وعلى المخزونات.
أوروبا بين الأسعار والضغوط الأمريكية
وسط هذه التطورات، نجد الضغوط تنتقل إلى أوروبا، فبحسب المعطيات الواردة في هذا الملف، طلبت واشنطن من الاتحاد الأوروبي ضخ نحو 120 مليون برميل من مخزونات الديزل خلال ستة أشهر، كما شددت على أن تكون حصة فرنسا وألمانيا بالخصوص من هذه الكمية، حوالي 100 مليون برميل، مع التلويح بتقييد صادرات الاتحاد، إذا لم تتحرك الدول الأوروبية في هذا الاتجاه.
في البداية، لم يكن الرد الأوروبي متوافقاً مع الرغبة الأمريكية، إذ رفض الاتحاد الأوروبي أي حظر محتمل لصادرات الديزل الأمريكية، ودعا إلى التحرك بشكل منسق وجماعي، بشأن السحب من المخزونات الاستراتيجية، وكانت الأسعار تضغط في الاتجاه الآخر، حيث سجل متوسط سعر الديزل في محطات أوروبا الأسبوع الماضي، حوالي 2.24 يورو للتر الواحد، وهو مستوى قياسي جديد، بزيادة سنت واحد عن الرقم القياسي، الذي سجل في الأسبوع السابق.
ومع استمرار هذا الضغط، بدا أن الموقف الأوروبي يتجه نحو الاستجابة للمطالب الأمريكية.
مأزق ترامب ودور الصين في معادلة أزمة الديزل
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن أوروبا وافقت على سحب كمية هائلة من مخزونها الضخم من وقود الديزل، وأن العملية ستبدأ على الفور، لكن أزمة الوقود بالنسبة للإدارة الأمريكية لا تتحرك في فراغ سياسي، إذ أنّ ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، يأتي في وقت تشهد فيه شعبية الرئيس ترامب تراجعاً حاداً، وذلك على بعد أيام قليلة، من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والقلق هنا واضح، فهناك تخوفات من أن تتحول أسعار الوقود المرتفعة، إلى عبء سياسي على الحزب الجمهوري، وأن تنعكس الأزمة في صناديق الاقتراع.
وفي الخلفية، تستمر الحرب في أوكرانيا، ويبقى مضيق هرمز مغلقاً، بينما يبرز دور الصين في معادلة أزمة الديزل، إذ أنّ بكين وهي تعد ثاني أكبر منتج للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة، قرّرت تعليق صادرات البنزين والديزل خلال شهر أكتوبر، بهدف تأمين احتياجات السوق المحلية، والسبب واضح، وهو أزمة الإمدادات العالمية المرتبطة بالتوتر في مضيق هرمز، وتراجع كميات النفط القادمة إلى الصين من الشرق الأوسط من جهة، ومن جهة ثانية ارتفاع الطلب المحلي خلال عطلة العيد الوطني الصيني
وعندما تتغير حركة الإنتاج والتصدير والمخزونات لدى كبار المنتجين، فإن آثار ذلك لا تبقى محصورة في حدود هذه الدول.
سوق الطاقة العالمية والأسواق الوطنية
إنّ سوق الطاقة العالمية مترابطة، وأي اختلال في أحد أطرافها، يمكن أن ينتقل بسرعة إلى الأطراف الأخرى، وهنا نصل إلى السؤال الذي يهم المواطن المغربي مباشرة:
ماذا يعني كل هذا بالنسبة للمغرب؟ لأن المغرب، مثل بقية الاقتصادات، ليس معزولاً عن التقلبات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية، ولهذا كان ملف ارتفاع أسعار المحروقات وتداعيات التوترات الجيوسياسية حاضراً خلال اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع هذه التداعيات على الاقتصاد الوطني، والذي ترأسه رئيس الحكومة عزيز أخنوش خلال هذا الأسبوع.
وكانت الرسالة التي خرجت من الاجتماع واضحة في جانب أساسي منها: طمأنة السوق الوطنية إلى استمرار التموين،
وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بن علي أكدت أن المعطيات تشير إلى أن السوق الوطنية ستظل ممونة بشكل منتظم من المواد الطاقية إلى غاية نهاية السنة، وأن المخزون المتوفر حالياً من مختلف المواد البترولية يتراوح بين 40 و60 يوماً، وهذا المخزون تتم متابعته بشكل يومي من طرف اللجنة والفاعلين في القطاع، وهذا وفق المعطيات المقدمة، من شأنه أن يضمن مواصلة تموين السوق الوطنية.
وقد أشارت الوزيرة إلى وجود مجموعة من المخزونات التي تتيح تعزيز المخزون الاحتياطي الوطني من عدد من المواد، من بينها غاز البوطان والكازوال، باعتبارهما من المواد الأساسية للاقتصاد الوطني وللأسر المغربية.
من جهته، أكد وزير الصناعة والتجارة رياض مزور القدرة على توفير حاجيات المغرب من المحروقات وضمان تموين السوق الوطنية بشكل منتظم، كما أشار إلى اتخاذ مجموعة من التدابير الرامية إلى الحد من انعكاسات الارتفاعات المسجلة في الأسواق العالمية على الأسعار في السوق الوطنية، والهدف المعلن من هذه الإجراءات هو الحد من انعكاسات ارتفاع أسعار المحروقات على الأسرة المغربية، وحماية القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، وهي معادلة ليست بسيطة، فكل ارتفاع في أسعار الطاقة يمكن أن يجد طريقه إلى قطاعات أخرى: النقل، الصناعة، الفلاحة، التجارة، ثم إلى أسعار السلع والخدمات.
وفي النهاية، قد يجد المواطن نفسه أمام فاتورة أكبر، حتى وإن لم يكن معنياً مباشرة بسوق النفط أو الديزل.
