“الكان” بين صرامة اللوائح وحجج السنغال.. كيف يدافع المغرب عن تتويجه القاري أمام الطاس؟

ليست كل المباريات تنتهي مع إطلاق الحكم لصافرة النهاية؛ فبعض المواجهات تبدأ عملياً بعد ذلك، داخل مكاتب الاتحادات، وقاعات التحكيم، وبين ثنايا القوانين واللوائح.
هذا تحديداً ما يشهده الشارع الرياضي الإفريقي والعربي اليوم، في واحدة من أكثر القضايا ملاءمة للتحليل والجدل القانوني، بعدما انتقل الصراع على لقب كأس الأمم الإفريقية من أرضية الملعب إلى أروقة محكمة التحكيم الرياضي الدولية “طاس” (CAS) بمدينة لوزان السويسرية.
الخميس المقبل (8 أكتوبر)، تتجه الأنظار نحو سويسرا، حيث تعقد المحكمة جلسة الاستماع الحاسمة في الطعن المقدم من الاتحاد السنغالي لكرة القدم ضد قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي “كاف”؛ وهو القرار الذي اعتبر المنتخب السنغالي منسحباً من النهائي، وترتب عليه إقرار تتويج
المنتخب المغربي باللقب القاري.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا لا يقتصر على: من سيكسب القضية؟ بل يمتد إلى ما هو أعمق: هل تملك السنغال الأسانيد القانونية الكافية لإقناع هيئة التحكيم بأن ما شهدته المباراة كان مجرد “احتجاج مؤقت”، وليس “انسحاباً صريحاً” يوجب تجريدها من اللقب؟
أوراق السنغال: التمسك بالميدان ومحاولة إعادة تكييف الواقعة.
تبدو الاستراتيجية القانونية للدفاع السنغالي قائمة على نقل النزاع من خانة “الانسحاب المباشر” إلى خانة “التوقف الميداني المؤقت”، وهو فارق حاسم في أدبيات القضاء الرياضي.
تستند السنغال في ملفها إلى ثلاث ركائز رئيسية:
1. مبدأ الأحقية الميدانية: انطلاقاً من أن النتائج الرياضية يجب أن تُحسم فوق الرقعة الخضراء بعرق اللاعبين، وأن تجريد منتخب من لقب حققه رياضياً بموجب قرار إداري لاحق يُعد مساساً بجوهر التنافس الشريف.
2. نفي أركان الانسحاب النهائي: إقناع المحكمة بأن مغادرة الرقعة الخضراء لم تكن تمرداً نهائياً أو إلغاءً للمباراة، وإنما توقف اضطراري فرضته ضغوط تحكيمية وظروف انضباطية. وتراهن السنغال هنا على أن التوصيف القانوني للواقعة هو المفتاح؛ فإذا اقتنعت المحكمة بوجود “احتجاج مؤقت” بدلاً من “الانسحاب الصريح”، تسقط التبعة التلقائية لل خسارة.
3. مبدأ تناسب العقوبة: الدفع بأن عقوبة سحب اللقب والميداليات تُعد عقوبة متشددة ومزدوجة مقارنة بطبيعة الفعل المرتكب. ويسعى الدفاع السنغالي من خلال هذا المبدأ إلى مطافأة المحكمة للاكتفاء بعقوبات مالية أو إدارية مشددة مع الإبقاء على النتيجة الرياضية للمباراة.
الجدار القانوني للمغرب و”الكاف”: قوة التقارير وحجية الوثائق
في المقابل، لا يخوض الملف المغربي مدعوماً بالاتحاد الإفريقي معركة انطباعات أو مساجلات عاطفية حول الاستحقاق، بل يضع ثقله كاملاً على قوة الوثائق الرسمية والصياغة الصارمة للوائح.
تعتمد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم و«الكاف» على تقارير حكم الساحة ومندوب المباراة؛ وهي وثائق رسمية تتمتع بحجية قاطعة أمام محكمة “طاس”.
وهنا تصطدم الرواية السنغالية بعقبة إجرائية معقدة:
إذا كانت التقارير الرسمية قد وثّقت امتناع المنتخب السنغالي عن استئناف اللعب بعد منحهم المهلة القانونية المحددة، فإن أطروحة “الاحتجاج المؤقت” تفتقد لسنَدها الواقعي.
المحكمة لن تتفاضل بين قراءتين إعلاميتين، بل ستزن الوقائع بموجب ما دوّنه مسؤولو اللقاء في لحظته. ومتى ثبت الامتناع الصريح عن اللعب، تهاوت ادعاءات التوقف العابر.
المادتان 82 و84: صرامة النصوص في مواجهة التفسير المفتوح.
لا يقتصر الدفاع المغربي على تقارير الرسميين، بل يمتد إلى التطبيق الحرفي للوائح البطولة المُصادق عليها مسبقاً من جميع الاتحادات المشاركة، وتحديداً المادتين 82 و84:
المادة 82: تصنّف مغادرة الملعب أو رفض مواصلة اللعب دون إذن الحكم كـ “انسحاب مباشر” يترتب عليه اعتبار الفريق المنسحب خاسراً بنتيجة (3-0).
المادة 84: تحدد الآثار الآلية المترتبة على الانسحاب، وفي مقدمتها تجريد الفريق من اللقب والميداليات والجوائز المالية.
أمام هذه الصياغة الآمرة، لن يكون سؤال محكمة «طاس»: هل العقوبة قاسية؟ بل سيكون: هل طبق الاتحاد الإفريقي اللائحة التنفيذية لمسابقته تطبيقاً سليماً؟
فالقضاء الرياضي الدولي لا يعيد صياغة اللوائح القارية القائمة، بل يفحص مدى ملاءمة القرار المطعون فيه للنصوص المرعية. وسحب اللقب في هذا السياق ليس عقوبة استثنائية مبتكرة، بل أثر قانوني حتمي ومباشر لواقعة الانسحاب الموثقة.
حماية النظام العام الرياضي: منع السابقة الخطيرة.
إلى جانب المود القانونية الصرفة، يبرز بعد أكثر خطورة يتعلق بـ الأمن الرياضي القاري؛ فالقضية تتجاوز حدود منتخبي المغرب والسنغال لتطال مستقبل المنافسات الإفريقية ككل.
تتتلخص حجة المغرب و”الكاف” هنا في التساؤل التالي: ماذا لو أُرسيت سابقة قضائية تسمح للفرق بإيقاف المباريات النهائية ثم المطالبة بال ألقاب بدعوى الاحتجاج؟
إن قبول هذا الطرح يعصف بـ “الانضباط الرياضي” ويفتح الباب أمام الفوضى التكتيكية والإدارية في المباريات الكبرى. لذا، فإن تثبيت قرار “الكاف” يُمثل حماية لهيبة المؤسسات ورادعاً يمنع الخروج عن قواعد اللعبة.
لوزان والسيناريوهات المفتوحة: ما بعد جلسة الاستماع.
على الرغم من قوة الموقف القانوني للمغرب والاتحاد الإفريقي وفق الاجتهادات القضائية المتبعة في “طاس” —والتي تُقدّس تقارير الحكام وتلتزم باللوائح المكتوبة— فإن محكمة التحكيم الرياضي تبقى هيئة قضائية مستقلة تبحث في سلامة المساطر والشكليات.
تتلخص مهمة الدفاع السنغالي في محاولة إحداث شك قانوني حول توصيف الواقعة أو إثبات خرق مسطري في كيفية إصدار العقوبة، بينما تكمن قوة الملف المغربي في التكامل الثلاثي بين: النص اللائحي، والواقعة الميدانية، والتقرير الرسمي.
ومن الضروري التذكير بأن جلسة الخميس 8 أكتوبر هي جلسة استماع ومرافعة للأطراف، وليست موعداً للنطق بالحكم النهائي؛ إذ تدخل الهيئة التحكيمية بعد الجلسة في مرحلة المداولة وصياغة القرار المعلل، وهو ما يستغرق عادة عدة أيام إلى بضعة أسابيع.
تتجه الأنظار إذن إلى لوزان، حيث ستتوقف الحكاية مؤقتاً عن كونها مباراة كرة قدم تُلعب بالأقدام، لِتتحول إلى سجال قانوني بارد يُحسم بالنصوص والوثائق والحجج: فهل يبقى اللقب تثبيتاً لصارمة القوانين، أم تحقّق السنغال المفاجأة وتستعيد الكأس عبر بوابة القضاء الرياضي؟
