برنامج”لساننا هويتنا”.. حين تصبح اللغة مرآة للهوية وجمالا يستحق الحماية

الشبكة من المحمدية 8 أكتوبر 2026 11:25 م
شارك:

في زمن تتسارع فيه وتيرة التواصل، وتتداخل فيه اللهجات والمصطلحات والتعبيرات، تتسلل إلى حديثنا اليومي أخطاء لغوية كثيرة، حتى إن بعضها يفقد مع مرور الوقت إحساسنا بكونه خطأ، ويتحول إلى استعمال مألوف يتداوله الناس دون توقف عند أصله أو دلالته.

من هذا المنطلق، يأتي برنامج “لساننا هويتنا” على الشبكة نيوز، ليأخذ المشاهد في رحلة مختلفة إلى عالم اللغة العربية، رحلة لا تقوم على تقديم قواعد جافة أو دروس مدرسية تقليدية، وإنما تسعى إلى إعادة النظر في الكلمات التي نستعملها كل يوم، والتوقف عند معانيها وأصولها واستعمالاتها الصحيحة.

لماذا “لساننا هويتنا”؟

منذ عنوانه، يطرح البرنامج سؤالاً دالاً: لماذا اختيرت كلمة «لسان» بدل “لغة”؟

الاختيار ليس اعتباطياً، فاللسان في العربية يرتبط بالكلام المنطوق والفصاحة والتعبير، وهو الأداة الحية التي ينتقل عبرها الفكر والمعنى من إنسان إلى آخر. ومن هنا يحضر اللسان بوصفه أكثر من مجرد وسيلة للتواصل؛ إنه جزء من شخصية الإنسان وذاكرته وثقافته وانتمائه.

ويستحضر البرنامج في هذا السياق التعبير القرآني: “بلسان عربي مبين”، بما يحمله من دلالة على البيان والإفصاح والقدرة على إيصال المعنى بوضوح.

أما مفهوم الهوية، فيبقى أوسع من أن تختزله حلقة واحدة، وهو ما يفتح الباب أمام حلقات لاحقة للوقوف عند هذا المفهوم وما يرتبط به من أبعاد ثقافية ولغوية وحضارية.

“فترة”.. كلمة شائعة باستعمال مختلف

ومن الكلمات التي تتوقف عندها الحلقة الأولى كلمة “فترة”، وهي من الكلمات التي شاع استعمالها في الحياة اليومية للدلالة على جزء من وقت العمل أو على مدة زمنية محددة، فنسمع مثلاً: “فترة الصباح” أو “فترة الظهيرة”.

لكن البرنامج يدعو إلى التوقف عند الدلالة الأصلية للكلمة، مستشهداً باستعمالها في القرآن الكريم في قوله تعالى: «يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل».

ومن هذا المعنى يتضح أن «الفترة» ارتبطت في أصل استعمالها بالانقطاع والمدة الفاصلة بين شيئين، ومنه ما جاء في المعاجم العربية من دلالتها على ما يكون بين عملين أو بين زمنين.

وهنا لا يكتفي البرنامج بتصحيح الاستعمال، بل يدعو المشاهد إلى طرح سؤال أكبر: كيف تتغير دلالات الكلمات مع الزمن؟ ومتى يتحول الاستعمال الشائع إلى استعمال يحتاج إلى مراجعة؟

“بينما”.. حين تفقد الكلمة معناها

تنتقل الحلقة بعد ذلك إلى كلمة أخرى كثيرة الحضور في الخطاب المعاصر، وهي “بينما”.

فقد شاع استعمالها في بعض الكتابات والخطابات بمعنى «في حين» للمقابلة بين فكرتين أو موقفين، بينما يلفت البرنامج الانتباه إلى أن لـ«بينما» تركيباً وسياقاً في العربية الفصيحة، وأنها تأتي في تركيب يقوم على وجود جملتين، كما في قولهم: “بينما نحن جلوس إذ…”.

ويستشهد البرنامج بما ورد في الحديث النبوي من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «بينما نحن جلوس عند رسول الله…»، في مثال واضح على البناء الذي تؤديه الكلمة في السياق العربي.

والغاية هنا ليست ملاحقة المتحدثين والكتاب بحثاً عن الأخطاء، وإنما إعادة الاعتبار إلى المعنى الدقيق للكلمات، حتى لا تصبح كثرة التكرار سبباً في اختفاء الفروق بين الاستعمال الصحيح والاستعمال الدارج.

اللغة مسؤولية ثقافية

في جوهرها، تضع الحلقة الأولى من “لساننا هويتنا” قضية اللغة في سياق أوسع من مجرد الصواب والخطأ.

فاللغة ذاكرة، وهي وعاء للثقافة، وأداة للتفكير والتعبير، وجسر يصل الحاضر بالموروث. ولذلك فإن العناية بها لا تعني الانغلاق أمام تطور الحياة أو رفض الاستعمالات الجديدة، وإنما تعني معرفة ما نقوله، وفهم دلالات الكلمات التي نستخدمها، والتمييز بين ما استقر في العربية وما طرأ عليها من استعمالات حديثة.

وفي هذا السياق، تسعى شبكة نيوز من خلال البرنامج إلى تقديم محتوى ثقافي يضع المشاهد أمام أسئلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تقود إلى مساحة واسعة من التفكير في اللغة والهوية والثقافة.

رحلة في جمال العربية

الحلقة الأولى من “لساننا هويتنا” ليست سوى بداية لرحلة تتطلع إلى استعادة متعة اكتشاف اللغة العربية، والعودة إلى الكلمات التي نستخدمها يومياً بعين أكثر انتباهاً وفضولاً.

فقد تكون كلمة واحدة حاملة لقصة طويلة، وقد يكشف استعمال بسيط عن معنى تغير عبر الزمن، وقد يقود سؤال صغير حول كلمة مألوفة إلى صفحات من تاريخ العربية وثقافتها.

ومن هنا تأتي رسالة البرنامج: أن نستخدم لساننا بوعي، وأن نكتشف جمال العربية من خلال كلماتنا اليومية، وأن نجعل من اللغة مجالاً للمعرفة والمتعة معاً.

“لساننا هويتنا”.. لأن جمال اللسان العربي يبدأ من كلمة، وقد يبدأ من سؤال.

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *