“لساننا هويتنا”.. ما قصة كلمة الهوية بين المعاجم العربية والفكر الحديث؟

بقلم حفيظ الهواري 15 أكتوبر 2026 8:49 م
شارك:

نستعمل كلمة “الهوية” باستمرار عند الحديث عن الوطن والثقافة واللغة، لكن هل تساءلنا يوما عن أصلها؟ وكيف انتقلت من جذورها اللغوية إلى مفهوم فلسفي وثقافي يعبّر عما نحن عليه وما يميزنا عن الآخرين؟

في حلقة جديدة من برنامج “لساننا هويتنا”، نقف عند تاريخ هذه الكلمة، ونستكشف التحولات التي عرفتها دلالتها، لنكتشف أن وراء مصطلح يبدو مألوفا حكاية لغوية وفكرية تستحق التأمل.

من المعجم إلى المفهوم الحديث

بالعودة إلى معجم “سان العرب” لابن منظور، نجد أن مادة “هوى” تحمل معاني السقوط والهبوط والميل، كما ترد كلمة “الهوية” بفتح الهاء بمعنى البئر بعيدة القعر، وهو معنى يختلف عن “الهُويّة” بضم الهاء، كما نستعملها اليوم للدلالة على حقيقة الشيء أو الشخص وما يميزه عن غيره.

ويرتبط المصطلح الحديث بالضمير “هو” وبفكرة أن الشيء هو ذاته، وقد أسهمت الكتابات الفلسفية وحركة الترجمة في ترسيخ هذا المفهوم في اللغة العربية، قبل أن يتسع استعماله ليشمل الهوية الشخصية والثقافية والوطنية.

وهنا تتجلى قدرة اللغة على التطور واستيعاب المفاهيم الجديدة، دون أن تفقد صلتها بتاريخها وتراثها، كما تبرز أهمية العودة إلى المعاجم لفهم الفروق بين الدلالات القديمة والاستعمالات الحديثة، وهو ما نجده أيضا في عناية علماء اللغة، مثل أبي هلال العسكري في كتابه “الفروق اللغوية”، بالتمييز بين الألفاظ المتقاربة.

الهوية بين التنوع الإنساني والانتماء

لا تتوقف دلالات الهوية عند حدود اللغة والفلسفة، بل تمتد إلى فهم علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. فالهوية الثقافية والوطنية تتشكل من عناصر متعددة، من بينها اللغة والذاكرة والتاريخ والعادات المشتركة.

وقد أكد القرآن الكريم قيمة التنوع الإنساني، يقول الله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، في إشارة إلى أن الاختلاف بين البشر يفتح المجال للتعارف والتواصل، وليس للتنافر والتعصب.

كما يقول سبحانه وتعالى في سورة الروم: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ﴾، بما يبرز مكانة التنوع اللغوي والإنساني ضمن آيات الخلق.

ومن جهته، عبّر الشعر العربي عن عمق الارتباط بالوطن، ومن أشهر الشواهد قول أحمد شوقي:

وطني لو شُغِلتُ بالخلد عنهُ
نازعتني إليه في الخلد نفسي.

فالوطن في هذا البيت يتجاوز حدود المكان ليصبح ذاكرة ووجداناً وانتماءً، وهي معانٍ تلتقي مع بعض أبعاد الهوية الوطنية والثقافية.

لساننا.. مفتاح فهم هويتنا

تكشف رحلة كلمة “الهوية” أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاء للذاكرة ومرآة للتحولات الفكرية والحضارية التي عرفتها المجتمعات، فالكلمات تتغير دلالاتها وتتسع استعمالاتها، وتظل العودة إلى أصولها وسياقاتها وسيلة لفهمها فهما أدق.

إن الاعتزاز بالهوية لا يعني الانغلاق عن الآخر، بل معرفة الذات وفهم الموروث الثقافي واللغوي، والانفتاح على الثقافات الأخرى بوعي واحترام.

وهكذا، تظل العلاقة بين اللغة والهوية علاقة متجددة، فكلما تعمقنا في لغتنا، اكتشفنا جوانب جديدة من تاريخنا وذاكرتنا، وأدركنا أن الحفاظ على هويتنا يبدأ من فهم الكلمات التي تعبّر عنها.

فاللغة تاريخ نحمله، والهوية انتماء نعيشه، والمعرفة جسر يصل ماضينا بمستقبلنا.

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *