غليان ومسيرات غضب في الشارع الفرنسي احتجاجا على غلاء الأسعار

تصاعد الغليان ومسيرات الغضب في الشارع الفرنسي، والتي تخلّلتها صدامات أمنية، وصاحبتها مخاوف سياسية، وذلك قبل الانتخابات، فقد شهدت العاصمة الفرنسية باريس وعدد من المدن الكبرى، بعد ظهر اليوم السبت، انطلاق المسيرة الرئيسية تحت شعار “الغضب”، في إطار تعبئة وطنية عارمة احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، واُشتبك المحتجون مع قوات الأمن، بينما عبّرت الأوساط الحكومية عن مخاوفها من انزلاق الأوضاع الأمنية.

مواجهات بين الشرطة ومحتجين في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)
تحالف واسع ومسارات مقيدة
وانضم إلى التظاهرات حشد واسع ضم محتجين من حركة “السترات الصفراء”، وطلاب مدارس ثانوية وجامعات، إلى جانب ناشطين في مجال المناخ وممثلي قطاعات أخرى. وتحركت المسيرة باتجاه ساحة كليشيه في شمال العاصمة عبر مسار محدود ومرخص مسبقاً من قِبل الشرطة، التي فرضت طوقاً أمنياً وحظراً للتجمع في المناطق الحساسة والمحيطة بالمقرات الرسمية، مثل قصر الإليزيه، وماتينيون (رئاسة الوزراء)، وجادة الشانزليزيه.
وبحسب السلطات الفرنسية، سُجلت نحو 140 مظاهرة خارج باريس بمشاركة نحو 32,800 شخص بحلول منتصف النهار، في وقت حمّلت فيه الحكومة مسؤولية الاضطرابات لما وصفته بـ”اليسار المتطرف”.
احتجاجات حركة السترات الصفراء في فرنسا (أرشيف الأناضول)
توتر واشتباكات في باريس والمدن الكبرى
في العاصمة، سادت أجواء من التوتر الشديد ساحة الجمهورية قبيل انطلاق المسيرة، حيث أطلقت قوات الأمن – التي نشرت أعداداً هائلة من عناصرها – الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المحتجين الملثمين الذين ارتدوا ملابس سوداء، ورشقوا العناصر الأمنية بالمقذوفات والألعاب النارية.
وفي تطور لافت، هاجم نحو مئة متظاهر مقر قناة “سي نيوز” التلفزيونية المملوكة للملياردير فانسان بولوريه، وألقوا مقذوفات على واجهتها، مما دفع الشرطة للتدخل وإعلان توقيف 21 شخصاً على خلفية أعمال العنف.

أما في مدينة ليون، فأضرم محتجون النار في مكتب للسياحة بساحة مركزية، إثر مواجهات استخدمت فيها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه ردّاً على رشقهم بالألعاب النارية والمقذوفات من قِبل مجموعات من الشبان الملثمين. وفي مرسيليا، ثاني أكبر مدينة في فرنسا، اقتحم محتعون ملثمون مبنى البلدية بعد خلع بابه بالحواجز الأمنية، وقام أحدهم برسم رمز أناركي على الجدران قبل تدخل قوات الأمن. وهتف أحد المتظاهرين محاكياً التاريخ الفرنسي: “نحن نقتحم سجن الباستيل”.
استنفار سياسي وانقسام حزبي
من بروكسل، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى “الهدوء والاحترام”، مشدداً على أن الحق في التظاهر يجب أن يقترن “باحترام الأشخاص والممتلكات”. وكان ماكرون قد اعتبر في وقت سابق أن المطالب “المشروعة” للطلبة يجري “استغلالها لأغراض سياسية”.
وعلى الصعيد السياسي، أعلن زعيم حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي، جان لوك ميلانشون، دعمه الكامل للحراك الطالبي ومشاركته في المظاهرات بباريس. وفي المقابل، أبدى حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبن، دعمه المطلق للشرطة، ملقياً باللوم على الطلبة في تصاعد أعمال العنف.
جان لوك ميلانشون (رويترز)
من جانبه، أمر رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الجمعة، بإنشاء خلية أزمة حكومية لمتابعة الاحتجاجات، في مسعى لتمرير موازنة تقشفية في البرلمان، وسط إصرار المحتجين على مطالبهم المتعلقة بمواجهة التضخم وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة، لا سيما قطاع التعليم.
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو (أ.ف.ب)
ترقب شعبي واحتجاجات مرتقبة
تأتي هذه التعبئة – التي شهدت الإعلان عن نحو 1500 مبادرة احتجاجية وأكثر من 90 مظاهرة مخططة في أنحاء البلاد – قبل نحو ستة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية، وفي ظل توقعات رسمية بمشاركة نحو 200 ألف متظاهر. ويأتي تلاقي هذه التحركات الاحتجاجية في ثاني أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو على وقع أزمات معيشية متفاقمة يغذيها ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية، بينما دعت النقابات بالفعل موظفي القطاعين العام والخاص إلى إضراب عام واسع النطاق في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر القادم للمطالبة بتحسين الرواتب والخدمات.
