أحمالُ العشق الأكبر: مَن يَهَبون أعمارهم ليبقى المغربُ شامخا.. على جمر المسؤولية أرواحٌ أذابتها أمانةُ الوطن

في مدرسة العشق الأكبر للوطن ما كانت البطولات لتوزن بصدى الأصوات، بل بمدى احتراق الروح في صمت!! نعم!! هناك رجال اختاروا أن يكونوا المعبر الخفي نحو فجر المغرب الساطع؛ وحين تكتب ملحمة الصحراء المغربية، وتتعالى أصوات الحق في محافل الأرض، وتترصع الخريطة بتاج السيادة والاعترافات الكبرى، يرتد بصر الحكمة إلى الوراء ليرى ما لا يراه العابرون؛ يرى صانعي النور في العتمة، وأولئك الذين استوطن التعب أبدانهم وذاكرتهم، لكي تظل راية الوطن خفاقة في العالي والأعالي!!
إنهم رجال دولة بحق خلاصة للوفاء المصفى؛ أخذوا على عواتقهم حملا لو وزع على الجبال الرواسي لتصدعت!! أتدرون ما معنى أن يحمل الإنسان على كتفيه همّ أمة بأسرها!؟ إنها النار الباردة التي تأكل من أعمارهم، والضغط الخفي الذي ينحت في صخر الروح والجسد بصمت مطبق. إنها الليالي الطويلات بلا راحة، حيث ينام الشعب على وسائد الطمأنينة، ويسهر هؤلاء يقلبون جمر السياسة والدبلوماسية وحفظ الثغور. تذوب أجسادهم كالشمعة التي تهدي النور لغيرها وهي تحترق بصمت. وكما يقول العارفون في طريق المحبة الكبرى، فإن أعظم التضحيات هي تلك التي ترتكب في الخفاء، بلا ابتغاء لثناء أو تصفيق، بل ابتغاء لوجه الحقيقة والعهد الأبدي.
وفي هذا الدرب الطويل، الشاق والمجيد، تقف أطياف الرجال الكبار، وفي طليعتهم السيد فؤاد علي الهمة ومحمد ياسين المنصوري، ومن سار في فلكهم من جنود الظل الأوفياء. هؤلاء الذين رأوا في خدمة العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الأبيّ عبادة وميثاقا غليظا. لقد صدقوا العهد مع الملك الشجاع ومع الشعب الصابر، فما مسّ عزيمةَ أحدهم وهنٌ، ولا استمالهم بريق الأضواء ولا صخب المناصب. بل ظلوا الحصن المنيع، والعقل المدبر، والدرع الذي لا ينكسر حين تشتد عواصف المؤامرات وتتعالى أمواج التحديات.
بصيرتهم النافذة، وحنكتهم الصامتة، وعملهم الدؤوب في الليل والنهار، كانت كلها أسبابا جوهرية ورئيسية في تحقيق الانتصارات الديبلوماسية المتتالية، وتثبيت الحق المغربي الأبدي في صحرائه. لقد أكل الهمّ الشريف من عافيتهم، ونحتت المسؤولية الجسام ملامح وجوههم، لكنهم كلما اشتد الخطب ازدادوا ثباتا، وما زالوا على الدرب سائرين، لا يلتفتون إلى حظوظ أنفسهم، بل إلى بقاء المغرب عزيزا شامخا.
لهم منا، ومن كل مغربي حرّ ينبض قلبه بحب هذا التراب الطاهر، ألف تحية إجلال وانحناء احترام. أسماء منقوشة في صخور التاريخ المغربي، مكتوبة في سجله الخالد وهم كذلك حبر الكتابة ذاته، والروح السارية في شرايين المجد المغربي المتجدد، يثبتون كل يوم أن الرجال الأكفاء هم من يمنحون أوطانهم أعمارهم، كي تحيا الأجيال في أمان وسلام.
