المغرب يغلق ملف الصحراء المغربية بسحبه من أروقة الأمم المتحدة ومطالبة المينورسو بالرحيل العاجل

بقلم عبد الحي البقالي 1 نوفمبر 2026 9:49 م
شارك:

بعد خمسة وثلاثين عاماً من وجود بعثة المينورسو، يجد ملف الصحراء المغربية نفسه أمام منعطف أممي غير مسبوق، فشل مجلس الأمن في تمديد ولاية البعثة، والبلاغ الملكي يتحدث عن مرحلة جديدة تتجاوز منطق تدبير النزاع إلى تغيير محدداته، فهل نحن أمام نهاية مرحلة دبلوماسية وبداية أخرى عنوانها تثبيت المكتسبات المغربية؟

من المسيرة الخضراء التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1975، إلى التحركات الدبلوماسية التي يقودها الملك محمد السادس، ظل ملف الصحراء المغربية في صدارة أولويات الدولة المغربية، باعتباره قضية سيادة ووحدة ترابية لا تقبل المساومة.

لكن ما حدث داخل مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 يطرح أسئلة تتجاوز مجرد التصويت على تمديد مهمة بعثة المينورسو. فالمجلس فشل في اعتماد مشروعي قرار متنافسين، أحدهما تقدمت به الولايات المتحدة والآخر روسيا، لتنتهي ولاية البعثة دون تمديد جديد.

وهنا تبرز أهمية التحول الذي تحدث عنه البلاغ الملكي: الانتقال من منطق تدبير الملف إلى مقاربة تقوم على تغيير عميق لمحدداته.

إنها لحظة تستحق قراءة هادئة، لأن ما يجري لا يتعلق فقط بمصير بعثة أممية، بل بمستقبل المسار الدبلوماسي الذي ظل يرافق قضية الصحراء المغربية لأكثر من ثلاثة عقود.

مجلس الأمن.. حين اصطدمت واشنطن بموسكو

بدأت التطورات خلال جلسة مجلس الأمن المخصصة للنظر في مستقبل بعثة المينورسو، التي انتهت ولايتها في 31 أكتوبر 2026.

تقدمت الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم في هذا الملف، بمشروع قرار يدعو إلى تمديد ولاية البعثة سنة إضافية، مع إدخال تغييرات على تسميتها ومهامها، وإعادة توجيه عملها بما ينسجم مع التطورات السياسية التي عرفها النزاع.

لكن المشروع اصطدم بفيتو روسي، رغم حصوله على تأييد 11 عضواً من أعضاء المجلس، مقابل معارضة روسيا وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت.

في المقابل، تقدمت موسكو بمشروع مضاد يدعو إلى تمديد تقليدي لولاية المينورسو، دون التغييرات التي اقترحتها واشنطن، غير أن المشروع الروسي لم يحصل إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت معارض وامتناع 11 عضواً.

والنتيجة أن مجلس الأمن لم يتمكن من اعتماد أي من المشروعين، لتنتهي ولاية البعثة دون قرار جديد بالتمديد.

وهنا تكمن المفارقة: الولايات المتحدة وروسيا، وهما دولتان دائمتا العضوية في مجلس الأمن، اصطدمتا في تدبير هذا الملف، وانتهى الأمر بتعثر المسارين معاً.

بالنسبة إلى المغرب، لم يكن هذا التطور مجرد خلاف إجرائي بين القوى الكبرى، بل محطة تستدعي إعادة تقييم طريقة التعامل مع قضية الصحراء المغربية داخل المؤسسات الدولية.

البلاغ الملكي.. رسالة تتجاوز مسألة تمديد المينورسو

بعد انتهاء جلسة مجلس الأمن، صدر بلاغ عن الديوان الملكي حمل دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة.

العبارة المفتاحية في البلاغ كانت واضحة: مجلس الأمن لم يجدد ولاية بعثة المينورسو.

ثم انتقل البلاغ إلى اعتبار هذا التطور خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، وربطه بعيد الوحدة، باعتباره محطة ترمز إلى الانتقال من مجرد تدبير النزاع إلى تغيير محدداته بصورة عميقة.

وهنا ينبغي التوقف عند هذا التحول.

فالمغرب لا يتحدث فقط عن انتهاء ولاية بعثة أممية، بل يقدم قراءة سياسية لما يمكن أن يترتب عن هذا التطور، ويعلن تمسكه بمقاربة جديدة في التعاطي مع الملف.

كما أكد البلاغ أن وجود المينورسو في الأقاليم الجنوبية، بطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.

لكن من المهم التمييز بين الموقف المغربي والواقع القانوني الأممي، فعدم تجديد الولاية لا يعني أن مجلس الأمن أصدر قراراً صريحاً بإلغاء البعثة أو أن جميع ترتيبات انسحابها حُسمت تلقائياً، إنها وضعية جديدة تحتاج إلى معالجة أممية وتنظيمية.

القرار 2797.. كيف تغيرت لغة مجلس الأمن؟

لفهم أهمية التطورات الأخيرة، لا بد من العودة إلى القرار 2797 الصادر سنة 2025، والذي شكل محطة مهمة في المسار الدبلوماسي المغربي.

فقد جعل القرار مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي، عادل ودائم ومقبول من الأطراف، كما اعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق.

وهذا تطور مهم في مسار القضية، لكنه لا يعني أن مجلس الأمن أعلن انتهاء النزاع أو أسقط جميع الإشارات إلى مبدأ تقرير المصير.

فالقرار أبقى على الإطار الأممي للمفاوضات، ودعا الأطراف إلى الانخراط فيها دون شروط مسبقة.

أما المشروع الأمريكي الذي تعثر في أكتوبر 2026، فقد ذهب أبعد في اتجاه إعادة صياغة مهام البعثة، وهو ما اصطدم باعتراض روسي وملاحظات تتعلق بمضمون المقترح.

وبالتالي، فإن المعركة لم تعد فقط حول تمديد مهمة المينورسو، بل أصبحت مرتبطة بطبيعة الحل السياسي والمرجعيات التي ينبغي أن تؤطر المفاوضات المقبلة.

هل انتهى دور المينورسو؟ وماذا عن وقف إطلاق النار؟

منذ إنشائها سنة 1991، ارتبط وجود بعثة المينورسو بمهمة مراقبة وقف إطلاق النار، إلى جانب الإعداد للاستفتاء الذي كان مقرراً ضمن التسوية الأممية.

لكن الخلافات المتعلقة بتحديد الهيئة الناخبة وشروط المشاركة جعلت تنظيم الاستفتاء متعثراً لعقود طويلة.

واليوم، ومع التحولات التي عرفها الملف، يطرح غياب التمديد سؤالاً جوهرياً حول مستقبل آليات مراقبة وقف إطلاق النار، وحول الجهة التي ستتولى متابعة الوضع الميداني خلال المرحلة المقبلة.

وهنا تبرز نقطة أساسية في الموقف المغربي: التمسك بوقف إطلاق النار لا ينبغي أن يكون مرتبطاً حصرياً باستمرار وجود بعثة المينورسو.

فالمغرب يؤكد التزامه بحماية أمنه ووحدته الترابية، وفي الوقت نفسه يربط أي تدبير ميداني بضرورة احترام سيادته وأمن مواطنيه.

لكن غياب آلية أممية مجددة للمراقبة يفرض تحديات حقيقية، خصوصاً في منطقة تعرف توترات متقطعة، ما يجعل تجنب التصعيد والحفاظ على الاستقرار مسؤولية أساسية خلال المرحلة المقبلة.

ما بعد مجلس الأمن.. معركة الدبلوماسية لم تنتهِ

إذا كان البلاغ الملكي قد تحدث عن نهاية مرحلة من تدبير الملف، فإن ذلك لا يعني اختفاء جميع المسارات الأممية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية.

فهناك اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، كما توجد لجنة الأربعة والعشرين، التي تتابع قضايا الأقاليم المدرجة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

وهذا يعني أن أي تحول في التعاطي المغربي مع هذه المؤسسات يحتاج إلى مسار دبلوماسي وقانوني مستقل، ولا يكفي انتهاء ولاية المينورسو لإخراج القضية تلقائياً من جميع الهيئات الأممية.

ومن هنا، ستكون المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الدبلوماسية المغربية على مواصلة حشد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، وتوسيع دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء، وتحويل المواقف السياسية الدولية إلى مواقف أكثر وضوحاً على مستوى المؤسسات والقرارات.

المغرب أمام مرحلة جديدة.. لكن الاختبار الحقيقي لم ينتهِ

منذ اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه سنة 2020، مروراً بالمواقف التي أعلنتها دول أوروبية وازنة، وصولاً إلى تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، استطاعت الدبلوماسية المغربية أن تحقق تحولات مهمة في موازين التعاطي الدولي مع القضية.

لكن التحدي المقبل لا يقل أهمية عن سابقه.

فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على المكتسبات، وإنما ترجمتها إلى مسار سياسي مستقر، وتفادي أي فراغ أمني أو دبلوماسي قد تستغله الأطراف المعنية بالنزاع.

كما أن المرحلة الجديدة تفرض على المغرب مواصلة الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي باعتباره أرضية للتفاوض، مع تقديم تفاصيل عملية ومؤسساتية حول كيفية تنزيله، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

أما الرهان الأكبر، فيبقى هو حماية الاستقرار في المنطقة، وضمان ألا تتحول التحولات الدبلوماسية إلى مصدر جديد للتوتر.

الخلاصة.. من المسيرة الخضراء إلى معركة الحسم الدبلوماسي

بدأ المغرب مسار استرجاع أقاليمه الصحراوية بالمسيرة الخضراء سنة 1975، ثم خاض على مدى عقود معركة سياسية ودبلوماسية معقدة، قاد خلالها الملك محمد السادس تحركات دولية هدفت إلى توسيع الدعم لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي.

واليوم، يجد الملف نفسه أمام منعطف جديد بعد فشل مجلس الأمن في تمديد ولاية المينورسو.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع ليس فقط: هل انتهى دور المينورسو؟

بل: كيف سيُدار ملف الصحراء المغربية في المرحلة المقبلة؟ وما الآليات التي ستضمن استمرار الاستقرار، وتترجم التحولات الدبلوماسية إلى حل سياسي نهائي؟

فالمعركة الدبلوماسية لا تنتهي بمجرد سقوط قرار التمديد، كما أن قوة المواقف لا تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بقدرتها على صناعة واقع سياسي مستقر ومستدام.

وبين إرث المسيرة الخضراء ورهانات المرحلة الجديدة، يظل المغرب متمسكاً بوحدته الترابية، ومواصلاً الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحه لحل هذا النزاع.

إنها صفحة جديدة في تاريخ قضية الصحراء المغربية، لكن تفاصيل المرحلة المقبلة هي التي ستحدد طبيعة التحول وحجمه.

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *