مُحَدِّدَات تَحْقِيق الـــــوَحْدَة والسِّيَـــــادَة (مَتى تتَحَقُّق؟)

عبد الإله شفيشو_فاس   5 نوفمبر 2026 3:59 م
شارك:

 

كتب/ عبد الإله شفيشو: مُحَدِّدَات تَحْقِيق الـــــوَحْدَة والسِّيَـــــادَة

تُعد الوحدة والسيادة وجهين لعملة واحدة في بناء الدول وإستقرارها، فالسيادة بدون وحدة داخلية، تظل هشة وعرضة للإختراق، والوحدة بدون سيادة كاملة، تظل مجرد هيكل شكلي، يتحكم في مصيره الآخرون، وللإجابة على سؤال:

متى تتحقق الوحدة والسيادة؟.

لا بد من تفكيك المشهد إلى محددات رئيسية تضمن للدولة كلمتها  وسيطرتها الكاملة على أراضيها وقراراتها، فالوحدة والسيادة الحقيقية، تتحقق للدول عندما تتكامل الإرادة السياسية الوطنية، مع القوة الإقتصادية والعسكرية، وتستند إلى جبهة داخلية متماسكة ومستقلة عن التبعية الخارجية، فالفيلسوف الألماني (غيورغ هيغلGeorg Hegel)،ذهب في كتابه “فلسفة الحق”، إلى أن السيادة هي التعبير الأعلى عن إرادة الدولة التي هي ليست مجرد عقد بين أفراد، بل هي كيان عقلاني وأخلاقي مستقل، والسيادة هي تجسيد لإرادة هذا الكيان، وهي واحدة وموحدة وغير قابلة للتجزئة، فبناء دولة ذات سيادة كاملة وموحدة ليس مجرد شعار سياسي، بل هو نتاج عمل مؤسسي مستدام يقوم على محددات وشروط موضوعية.

تُعد الوحدة والسيادة، الركيزتين الأساسيتين لبناء أي دولة قوية، ومستقرة، فالسيادة هي جوهر إستقلال الدولة، وقدرتها على فرض سلطتها داخليا، وحمايتها خارجيا، بينما تمثل الوحدة، التلاحم الإجتماعي، والجغرافي، والسياسي، الذي يمنح هذه السيادة شرعيتها، وقوتها، لذا فإن الوحدة الوطنية، هي الخطوة الأولى، نحو السيادة الكاملة، وتتحقق الوحدة بناء على شروط منها:

– وجود وثيقة دستورية تحظى بقبول الجميع، وتضمن العدالة والمساواة.

– الولاء الأسمى للوطن، حيث يكون القانون هو الفيصل الأساسي.

– توزيع الثروات والفرص بشكل عادل، لمنع نشوء نزعات إنفصالية.

– فتح المجال للتداول على السلطة، ممّا يمنع الإقصاء، ويعزز شعور الجميع بالإنتماء.

تتخذ الوحدة والسيادة مظهرين، أحدهما داخلي، والآخر خارجي، وتتجلى على الصعيد الداخلي، في إنفراد سلطة الدولة بإدارة شؤونها، وتنظيم سلطاتها، ومرافقها العامة داخل إقليمها على نحو مستقل، ومن دون الخضوع لأي سلطة خارجية، والدولة حرة في إختيار النظام السياسي، والإقتصادي، والإجتماعي الذي تراه مناسبا لها، شريطة أن يكون متوافقا مع القانون الدولي، وهي تبسط إختصاصها على جميع الأشخاص الموجودين فيها، فللدولة وحدة وسيادة دائمة على الثروات الطبيعية فيها، ولا تخضع  داخل إختصاصها الإقليمي لأي إختصاص تشريعي، أو تنفيذي، أو قضائي لدولة أجنبية، وقد سبق لمجلس الأمن التابع لـلأمم المتحدة أن أكد عدم قانونية إختطاف الألماني (أدولف إيخمان Adolf Eichmann 1960) على يد عملاء إسرائيليين من أراضي الأرجنتين، ونقله إلى إسرائيل، وحوكم وأُعدم بوصفه مجرم حرب عام 1962، وكذا (إختطاف أمريكا للرئيس الفنزويلي  مادورو Maduro وزوجنه 2026)،أما على الصعيد الخارجي، فتتجلى وحدة وسيادة الدولة، في حقها على عقد معاهدات دولية، والدخول في عضوية المنظمات الدولية، وتبادل التمثيل الدبلوماسي، والتمتع بالحصانة القضائية في الدول الأخرى.

إنّ الوحدة والسيادة ليستا حالات ساكنة تكتسب مرة واحدة وإلى الأبد، بل هما عملية ديناميكية مستمرة، تتطلب الصيانة الدائمة عبر الحوار الوطني، والتنمية المستدامة، وبناء القوة الرادعة، فمتى ما إستطاعت الدولة تحقيق التوازن بين تلبية تطلعات شعبها في الداخل، وبناء جدار قوي في مواجهة الخارج، فإنها توفر البيئة الحتمية لإزدهار وحدتها، وفرض سيادتها المطلقة، فهما يواجهان عدة تحديات، من أبرزها وجود جهات فاعلة في بعض الحالات من الدول نفسها، وتشمل هذه الجهات المنظمات المالية الدولية، كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والجماعات المسلحة، وشركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية، من هنا تصبح وحدة الدولة وسيادتها، مقيدة أكثر فأكثر، بتفاعلاتها مع الدول الأخرى، وغير قادرة على أن تتكفل بوسائلها الخاصة لتصفية الإستعمار رسميا (سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين نموذج)، لكن على الرغم من هذه التحديات لا يزال مفهومي الوحدة والسيادة أساسا للديمقراطيات الحديثة، وركيزة للنظام الدولي.

 

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *