الملك يقدم خطة عمل لولاية تشريعية وحكومية جديدة

لم يكن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة مجرد محطة دستورية لتوجيه التهنئة إلى أعضاء البرلمان الجدد، بل حمل رسائل سياسية واقتصادية ومؤسساتية تستدعي قراءة متأنية في مضامينها، بالنظر إلى طبيعة الرهانات المطروحة أمام المغرب، وحجم الانتظارات المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
فبين الدعوة إلى تعزيز المكتسبات الاقتصادية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتأمين الحاجيات الاستراتيجية للمملكة، وتمكين الجهات من صلاحيات أوسع، مروراً بتعزيز دور القطاع الخاص في خلق فرص الشغل، ووصولاً إلى إعادة التأكيد على أخلاقيات العمل السياسي، رسم الخطاب الملكي معالم مجموعة من الأولويات التي سيكون تنزيلها على أرض الواقع الاختبار الحقيقي لمدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
وإذا كان الخطاب قد وضع الحكومة والبرلمان أمام مسؤولياتهما، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بوضوح التوجهات المعلنة، بل بمدى قدرة مختلف المؤسسات والفاعلين على تحويلها إلى سياسات عمومية ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
اقتصاد قوي.. ولكن لمن ستكون ثمار النمو؟
تكتسي الدعوة الملكية إلى اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة الراهنة أهمية خاصة، خصوصاً أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية استثمارات مهمة في البنيات التحتية، شملت الطرق السيارة، والسكك الحديدية، وتطوير شبكات الربط بين المدن، إلى جانب مشاريع كبرى في مجالات متعددة.
غير أن الرهان لم يعد مقتصرا على توسيع هذه البنيات أو تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات، بل أصبح مرتبطا بقدرة الاقتصاد الوطني على الانتقال إلى مرحلة جديدة، قوامها تحقيق نمو مستدام، وتوفير فرص الشغل، وتحسين شروط العيش، وتعزيز ثقة المستثمرين في مناخ الأعمال.
فالاقتصاد القوي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بمعدلات النمو المسجلة، وإنما كذلك بمدى انعكاس هذه المؤشرات على الأوضاع الاجتماعية للمواطنين، وقد يحقق بلد ما تقدما في عدد من المؤشرات الاقتصادية، لكن هذا التقدم يظل محدود الأثر إذا لم تستفد منه الفئات الهشة، أو إذا استمرت الفوارق بين المجالات الحضرية والقروية، وبين الجهات الأكثر استقطابا للاستثمارات وتلك التي ما زالت تعاني ضعف التجهيزات وفرص العمل.
ومن هنا تبرز أهمية التأكيد على ضرورة ألا يسير المغرب بسرعتين، إحداهما تقود نحو التحديث الاقتصادي وتطوير البنيات التحتية، والأخرى تظل مثقلة بمشكلات الفقر والهشاشة وضعف الخدمات الأساسية.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة المقبلة لا يتمثل في إنتاج الثروة فحسب، بل في توسيع قاعدة المستفيدين منها، وضمان توزيع أكثر توازناً لثمار التنمية. فنجاح السياسات الاقتصادية ينبغي أن يقاس أيضاً بقدرتها على تقليص الفوارق، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص حقيقية للإدماج الاجتماعي والمهني.
الأمن المائي والغذائي والطاقي.. رهانات تتجاوز الظرفية
لم تعد التنمية الاقتصادية في السياق الراهن منفصلة عن مسألة تأمين الحاجيات الاستراتيجية للدولة، فالأمن المائي والغذائي والطاقي أصبح جزءا أساسيا من معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خصوصا في ظل التقلبات الدولية، واضطراب سلاسل التوريد، وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الدعوة إلى إطلاق مشاريع حيوية ومستدامة أهمية تتجاوز منطق التدبير اليومي للأزمات، لتطرح ضرورة بناء قدرة وطنية على الاستباق والاستعداد لمختلف الاحتمالات.
ويبرز قطاع الطاقة ضمن المجالات التي تحتاج إلى معالجة استراتيجية، بالنظر إلى انعكاس تقلبات أسعار المحروقات على كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وما يترتب عنها من آثار مباشرة وغير مباشرة على أسعار المواد الاستهلاكية والقدرة الشرائية للأسر.
فارتفاع أسعار الوقود لا يبقى محصورا في محطات التوزيع، بل يمتد أثره إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد، من نقل البضائع إلى الأنشطة الفلاحية والصناعية والخدماتية، ولذلك فإن تأمين الإمدادات وتطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية، كلها عناصر ترتبط بالأمن الاقتصادي للمواطن.
ويطرح هذا الواقع أيضا ضرورة تقييم السياسات المعتمدة في مجال تخزين المحروقات، ومدى احترام الالتزامات القانونية المتعلقة بالاحتياطات، ونجاعة الآليات الرقابية في ضمان استمرارية التموين والحد من الاختلالات المحتملة.
كما يظل النقاش حول هوامش أرباح الفاعلين في سوق المحروقات، وسبل تعزيز المنافسة والشفافية، جزءا من النقاش العمومي بشأن حماية المستهلك. غير أن معالجة هذه الإشكالات تقتضي الاستناد إلى معطيات دقيقة، وتقييما موضوعيا لبنية السوق، بما يضمن التوازن بين مصالح المستهلكين ومتطلبات الاستثمار واستمرارية التموين.
وإلى جانب الطاقة، يفرض الأمن الغذائي والمائي اعتماد مقاربة طويلة الأمد، تقوم على تدبير الموارد بكفاءة، وتنويع مصادر التزود، ودعم الإنتاج الوطني، وتطوير حلول تكنولوجية قادرة على الاستجابة للتحولات المناخية والاقتصادية.
القطاع الخاص.. من البحث عن الربح إلى المساهمة في التنمية
يحضر القطاع الخاص بقوة ضمن رهانات المرحلة المقبلة، باعتباره أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل، لكن أهمية هذا الدور تطرح في المقابل أسئلة بشأن طبيعة الاستثمار المطلوب، ومدى قدرته على إنتاج قيمة مضافة حقيقية، وتوفير فرص عمل مستقرة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
فلا يمكن للاقتصاد أن يحقق تحولا مستداما اعتمادا على الاستثمارات العمومية وحدها، مهما بلغت أهميتها، إذ يحتاج المغرب إلى قطاع خاص قادر على المبادرة، وتحمل المخاطر المحسوبة، وتطوير المشاريع الإنتاجية، والمساهمة في توسيع القاعدة الاقتصادية.
غير أن تشجيع الاستثمار لا ينبغي أن يختزل في تقديم الحوافز والتسهيلات، بل يجب أن يرتبط أيضا بتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، ومدى مساهمتها في خلق مناصب الشغل، ونقل التكنولوجيا، وتحسين الإنتاجية، وتوسيع فرص الإدماج المهني للشباب.
وتبرز هنا إشكالية العلاقة بين منظومة التعليم والتكوين ومتطلبات سوق الشغل، فالمغرب يخرج سنويا أعدادا من خريجي الجامعات والمعاهد ومؤسسات التكوين، لكن حصول الشباب على الشهادات لا يضمن دائماً اندماجهم المهني، خصوصا عندما لا تتطابق التخصصات والمهارات المكتسبة مع حاجيات المقاولات.
ومن ثم، فإن معالجة البطالة لا يمكن أن تظل مسؤولية قطاع حكومي واحد، بل تقتضي تنسيقا فعليا بين مؤسسات التعليم والتكوين، والقطاع الخاص، والجهات، ومختلف المتدخلين في سوق الشغل.
كما أن المطلوب هو الانتقال من استثمارات محدودة الأثر على التشغيل إلى مشاريع منتجة، قادرة على خلق فرص عمل مستدامة، واستيعاب الكفاءات الشابة، وتوفير مسارات مهنية تسمح بالتطور والاستقرار الاجتماعي.
فالمقاولة ليست مطالبة فقط بتحقيق الأرباح، وإنما يمكنها كذلك أن تؤدي دورا أساسيا في التنمية من خلال الاستثمار المنتج، واحترام حقوق العاملين، وتطوير الكفاءات، والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة.
الشباب.. من الاحتجاج على الإقصاء إلى المشاركة في بناء المستقبل
يحتل الشباب موقعا مركزياً في النقاش بشأن مستقبل التنمية في المغرب، بالنظر إلى ما يمثله من طاقات بشرية ومعرفية، وما يواجهه في المقابل من تحديات مرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة والقدرة على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
وقد أعادت الاحتجاجات الشبابية، وما رافقها من مطالب اجتماعية، طرح سؤال العلاقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات، ومدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لانتظاراتها.
فحين يطالب الشباب بفرص الشغل، وتعليم ذي جودة، وخدمات صحية لائقة، ومحاربة الفساد، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمطالب قطاعية منفصلة، بل بتطلعات إلى شروط عيش تحفظ الكرامة وتمنح الأمل في المستقبل.
ولا يكفي، في هذا السياق، التعامل مع الشباب باعتباره فئة تحتاج إلى الدعم أو المساعدة، بل ينبغي النظر إليه باعتباره قوة منتجة وشريكا في صياغة الحلول والمساهمة في التنمية.
إن توفير فرص العمل يمثل مدخلا أساسيا، لكنه ليس المدخل الوحيد، فإلى جانبه، تبرز أهمية تحسين جودة التكوين، وتوسيع فرص المبادرة والمقاولة، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وإشراك الشباب في النقاش العمومي، وتمكينهم من التعبير عن آرائهم والمساهمة في القرارات التي تمس مستقبلهم.
كما أن تعزيز ثقة الأجيال الجديدة في المؤسسات لا يتحقق بالخطب وحدها، وإنما من خلال النتائج التي تلمسها في حياتها اليومية، فكل فرصة عمل حقيقية، وكل تحسن في الخدمات الأساسية، وكل إجراء يعزز تكافؤ الفرص، يمكن أن يسهم في تقوية شعور الشباب بالانتماء والثقة في إمكانية بناء مستقبل داخل الوطن.
وفي المقابل، فإن استمرار الإحساس بالإقصاء أو غياب الآفاق قد يدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل خارج البلاد، حتى عندما تنطوي هذه الخيارات على مخاطر كبيرة.
لذلك، فإن الرهان المطروح يتمثل في الانتقال من خطاب الاهتمام بالشباب إلى سياسات عملية تجعل من إدماجه الاقتصادي والاجتماعي أولوية قابلة للتقييم والمساءلة.
الجهوية المتقدمة.. هل حان وقت الانتقال من النصوص إلى الممارسة؟
من بين القضايا التي تكتسي أهمية خاصة في النقاش حول الإصلاح المؤسساتي، تبرز الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، باعتبارهما مدخلين لتطوير أساليب التدبير العمومي وتقريب القرار من المواطنين.
فالتنمية لا يمكن أن تنطلق دائما من المركز، لأن حاجيات الجهات تختلف باختلاف إمكاناتها الاقتصادية، وخصوصياتها الاجتماعية والجغرافية، وطبيعة الإكراهات التي تواجهها.
وإذا كان المنتخبون المحليون والجهويون أقرب إلى واقع السكان ومشاكلهم اليومية، فإن قدرتهم على الاستجابة لهذه الحاجيات تظل مرتبطة بمدى توفرهم على الصلاحيات والموارد والوسائل اللازمة لتنفيذ البرامج التنموية.
وهنا تبرز إحدى الإشكالات الأساسية التي تواجه تنزيل الجهوية المتقدمة، فوجود مجالس منتخبة واختصاصات محددة في النصوص لا يكفي وحده لضمان تدبير جهوي فعال، ما لم يصاحبه نقل فعلي للاختصاصات والموارد، وتوضيح المسؤوليات، وتقليص التعقيدات الإدارية التي قد تؤخر تنفيذ المشاريع.
إن نقل القرار إلى المستوى الجهوي لا يعني إضعاف الدولة أو المساس بوحدة مؤسساتها، بل يهدف إلى تحسين الحكامة، وتوزيع المسؤوليات، وتمكين كل مستوى من مستويات التدبير من أداء دوره ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح.
كما أن تفعيل الجهوية يقتضي تطوير آليات المحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج، حتى لا يتحول نقل الاختصاصات إلى مجرد إعادة توزيع للصلاحيات من دون أثر ملموس على التنمية.
فالجهة التي تتوفر على الإمكانات اللازمة لتحديد أولوياتها، وتعبئة مواردها، وتنسيق تدخلات المؤسسات الموجودة فوق ترابها، تصبح أكثر قدرة على بناء مشاريع تستجيب لحاجيات سكانها.
ويزداد هذا النقاش أهمية في ظل توجه المغرب إلى تطوير نموذج للحكم الذاتي في أقاليمه الجنوبية، باعتباره مسارا سياسيا ومؤسساتيا له خصوصياته. ومع أن الحكم الذاتي يختلف من حيث طبيعته وسياقه عن الجهوية المتقدمة، فإن النقاش حول توزيع الاختصاصات وتدبير الشؤون المحلية يبرز في الحالتين أهمية تحديد الصلاحيات والمسؤوليات وضمان فعاليتها.
ومن ثم، فإن نجاح الجهوية المتقدمة يظل رهينا بالانتقال من التدبير المركزي المفرط إلى حكامة ترابية أكثر فعالية، تجعل من الجهات فاعلا أساسيا في صياغة التنمية وتنفيذها، مع الحفاظ على وحدة الدولة وتكامل السياسات العمومية.
الهجرة غير النظامية مع إسبانيا.. شراكة تحتاج إلى توازن في المسؤوليات
تطرح قضية الهجرة غير النظامية واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين المغرب وإسبانيا، بالنظر إلى ارتباطها بالأمن الحدودي، والتحركات البشرية، والتعاون القضائي، والالتزامات القانونية، فضلا عن الأبعاد الإنسانية والاجتماعية التي تفرضها هذه الظاهرة.
وقد أعادت التحركات التي شهدتها الحدود، وما رافقها من نقاشات بشأن أوضاع بعض المهاجرين والقاصرين، تسليط الضوء على تعقيدات هذا الملف، وعلى ضرورة التعامل معه من خلال مقاربة تتجاوز التدابير الأمنية الظرفية.
فالهجرة غير النظامية لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، إذ تتداخل فيها اعتبارات اقتصادية واجتماعية، وتطلعات إلى تحسين ظروف العيش، وشبكات تستغل هشاشة الراغبين في الهجرة وتعرضهم لمخاطر جسيمة.
ومن هنا، فإن التعاون بين المغرب وإسبانيا يظل ضروريا لمواجهة شبكات الاتجار بالبشر، وحماية الحدود، ومعالجة أوضاع المهاجرين، واحترام الالتزامات القانونية ذات الصلة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقاصرين والفئات الأكثر هشاشة.
غير أن استدامة هذا التعاون تقتضي وضوحا في المسؤوليات، واحتراما متبادلا للاختصاصات والسيادة، وتنسيقا يضمن معالجة الملفات العالقة من خلال القنوات الدبلوماسية والقانونية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الانتقال إلى مقاربة استراتيجية تجعل من التعاون الثنائي وسيلة لتعزيز التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي، بدل حصره في تدبير موجات الهجرة عند وقوعها.
فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي وصلاته بأوروبا وإفريقيا، يوجد في قلب التحولات المرتبطة بالهجرة، لكنه ليس مسؤولا وحده عن معالجة أسبابها ونتائجها. كما أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتحقق بالاعتماد على المقاربة الأمنية فقط، من دون الاهتمام بالتنمية وفرص الشغل ومعالجة العوامل التي تدفع الأفراد إلى المخاطرة بحياتهم.
إن بناء شراكة متوازنة يقتضي، بالتالي، تعاونا فعليا بين مختلف الأطراف، يقوم على احترام القانون، وتبادل المسؤوليات، ومعالجة الإشكالات العالقة، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاجتماعي.
وهذا ما يجعل ملف الهجرة اختبارا لقدرة العلاقات المغربية الإسبانية على التوفيق بين متطلبات الأمن والحدود، والالتزامات القانونية، والمصالح المشتركة للبلدين.
الانتداب البرلماني.. مسؤولية سياسية وتعاقد أخلاقي
إذا كانت القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية تشكل الجانب العملي من رهانات المرحلة المقبلة، فإن الخطاب الملكي أعاد أيضا طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة المسؤولية التي يتحملها المنتخبون تجاه المواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيهم.
فالانتداب البرلماني ليس مجرد عضوية داخل مؤسسة دستورية، ولا امتيازا يتيح لصاحبه الاستفادة من الموقع السياسي، بل هو مسؤولية ترتبط بالدفاع عن المصالح العامة، وتمثيل المواطنين، والمساهمة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي.
ومن هذا المنطلق، فإن الثقة التي يمنحها الناخبون لممثليهم تنشئ التزاما سياسيا وأخلاقيا يفترض أن ينعكس على سلوك البرلمانيين ومواقفهم وأدائهم داخل المؤسسة التشريعية وخارجها.
وتبرز أهمية هذا الالتزام أكثر عندما يتعلق الأمر بنوعية الخطاب السياسي، وطبيعة العلاقة بين الفرقاء الحزبيين، ومدى احترام قواعد المنافسة الديمقراطية.
فالتعددية والاختلاف من ركائز العمل السياسي، لكنهما لا يبرران الانزلاق إلى السب والشتم والتشهير، أو تحويل التنافس الانتخابي إلى صراع شخصي يضعف صورة المؤسسات ويعمق فجوة الثقة بينها وبين المجتمع.
كما أن الأخلاق السياسية لا تقتصر على أسلوب التخاطب، بل تشمل كذلك النزاهة، واحترام المال العام، وتجنب تضارب المصالح، وعدم استغلال النفوذ لتحقيق منافع شخصية، والخضوع للمحاسبة عند ثبوت المخالفات.
إن المسؤول المنتخب مطالب بأن يقدم نموذجا في احترام القانون وخدمة الصالح العام، لأن قيمة العمل السياسي لا تقاس فقط بالمواقع التي يشغلها أصحابه، وإنما بمدى قدرتهم على تحويل التفويض الشعبي إلى نتائج ملموسة.
ولا يمكن مطالبة المواطنين بالثقة في المؤسسات إذا لم يلمسوا في سلوك ممثليهم ما يعزز هذه الثقة، كما لا يمكن استعادة الاعتبار للعمل السياسي من دون ترسيخ ثقافة تجعل المسؤولية تكليفا قبل أن تكون امتيازا، وتجعل المصلحة العامة مقدمة على الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة.
وهنا يبرز التحدي أمام البرلمان الجديد، هل يستطيع أن يجعل من الولاية التشريعية مناسبة لإعادة الاعتبار للعمل المؤسساتي، من خلال التشريع الجيد، والمراقبة الفعالة، والنقاش المسؤول، والدفاع عن انتظارات المواطنين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحددها الشعارات، بل ما سيقدمه النواب من مبادرات ومواقف ونتائج طوال مدة انتدابهم.
الحكومة المقبلة أمام اختبار التنفيذ
تتجمع مختلف هذه الملفات عند نقطة واحدة، ضرورة الانتقال من تحديد الأولويات إلى تنفيذها، ومن الإعلان عن المشاريع إلى قياس أثرها، ومن توزيع الاختصاصات نظريا إلى تفعيلها عمليا.
فالحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالتعامل مع مجموعة من الرهانات المتداخلة، إذ لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام من دون استثمار منتج، ولا يمكن توسيع فرص الشغل من دون تحسين العلاقة بين التكوين وسوق العمل، كما لا يمكن تقليص الفوارق المجالية من دون تفعيل الجهوية وتعزيز فعالية التدبير الترابي.
وبالمثل، فإن تأمين الحاجيات الاستراتيجية للمملكة يتطلب سياسات استباقية، بينما تستدعي استعادة ثقة الشباب والناخبين تعزيز الشفافية، وتحسين الخدمات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن المهم في هذا السياق ألا يتحول الخطاب حول الإصلاح إلى بديل عن الإصلاح نفسه، فوضوح التوجهات يكتسب قيمته من قدرة المؤسسات على تحويلها إلى برامج محددة، بآجال تنفيذ واضحة، وموارد مالية وبشرية مناسبة، ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج.
كما أن نجاح هذه المرحلة لن يكون مسؤولية الحكومة وحدها، بل يتطلب انخراط البرلمان والمنتخبين والقطاع الخاص والإدارات العمومية والمجتمع المدني، كل من موقعه واختصاصاته.
غير أن توزيع المسؤوليات لا ينبغي أن يؤدي إلى تبديدها، إذ يتعين أن تكون الاختصاصات واضحة، وأن تكون آليات التنسيق والمراقبة فعالة، حتى يعرف المواطن الجهة المسؤولة عن كل برنامج أو مشروع، ويستطيع تقييم أدائها على أساس النتائج.
الخلاصة: الرهان في الأثر الذي سيشعر به المواطن
يضع الخطاب الملكي مختلف المؤسسات والفاعلين أمام أسئلة تتجاوز حدود التدبير السياسي اليومي، لتلامس طبيعة النموذج التنموي الذي يسعى المغرب إلى ترسيخه، ومدى قدرته على الجمع بين التنافسية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين وحدة الدولة وفعالية التدبير الجهوي، وبين متطلبات الأمن واحترام المسؤوليات المتبادلة في العلاقات الدولية.
فالفرص التي تتيحها البنيات التحتية والاستثمارات والمشاريع الكبرى لن تتحول تلقائيا إلى تنمية شاملة ما لم تواكبها سياسات تضمن خلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتقليص الفوارق، وإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية.
كما أن الإصلاح المؤسساتي لن يكتمل بمجرد توسيع الاختصاصات أو تجديد النخب، ما لم يصاحبه ترسيخ للمحاسبة والنزاهة والفعالية في تدبير الشأن العام.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عمل مؤسساتي متواصل، وإلى قدرة على ترتيب الأولويات وتعبئة الموارد وتقييم النتائج، بعيدا عن الاكتفاء بالوعود أو تحويل المشاريع إلى شعارات سياسية.
وفي نهاية المطاف، سيظل المعيار الأهم لنجاح هذه التوجهات هو ما سيشعر به المواطن في حياته اليومية، فرصة عمل تحفظ كرامته، وتعليم يفتح أمامه آفاق المستقبل، وخدمات صحية تستجيب لحاجياته، وإدارة تنصفه، ومؤسسات تستمع إليه وتحاسَب على أدائها.
ذلك أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تنجزه من مشاريع كبرى، وإنما أيضا بقدرتها على جعل ثمار التنمية متاحة لمختلف فئات المجتمع ومجالاته.
وبين وضوح الرؤية وصعوبة التنفيذ، تبدأ مسؤولية الحكومة والبرلمان والمنتخبين وسائر الفاعلين، مسؤولية تحويل التوجيهات إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى ثقة متجددة بين المواطن ومؤسساته.
