الملك محمد السادس يفتتح الولاية التشريعية الـ12: دعوة لإطلاق “جيل جديد” من الاستراتيجيات الكبرى ووضع حد لتعثر اللاتمركز

الرباط — افتتح صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، اليوم الجمعة بالرباط، الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، موجهاً خطاباً سامياً إلى أعضاء مجلسي النواب والمستشارين، رسم فيه ملامح “منعطف حقيقي” لمسار المملكة التنموي والدبلوماسي خلال السنوات الخمس المقبلة.
وشكل الخطاب الملكي خريطة طريق متكاملة للمؤسسة التشريعية والحكومة الجديدة، حيث زاوج بين حث المؤسسات على رفع وتيرة الإنجاز الاقتصادي وتعزيز العدالة المجالية، وبين إرساء قواعد جديدة وشجاعة في التعاطي مع ملفات الحكامة الترابية والشراكات الدولية والإقليمية.
من الانتماء إلى المسؤولية: الاعتزاز بالهوية الوطنية
استهل جلالة الملك الخطاب بتهنئة أعضاء مجلس النواب على نيلهم ثقة الناخبين، مستحكماً محطة افتتاح هذه الولاية في ظرفية استثنائية حافلة بفرص تاريخية للارتقاء بالمغرب كـ “قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة”.
وفي لفتة وجدانية عميقة، استعاد العاهل المغربي عبارته الشهيرة لسنة 2014: “إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي”. وأكد جلالته أن هذا الاعتزاز ليس للتباهي أو الرضى عن النفس، بل هو “الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني”، مجدداً التذكير بجذور الأمة المغربية العريقة تحت الراية الملكية وإمارة المؤمنين.
أولويات المستقبل: الذكاء الاصطناعي والأمن الاستراتيجي
في ظل تحولات جيو-اقتصادية عالمية متسارعة، حث الملك على تجاوز مرحلة تسريع تسليم البنيات التحتية إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، مع التركيز على المبادرات الآتية:
-
تأمين السيادة: تسريع تطوير القدرات الوطنية في مجالات الأمن المائي، الطاقي، والغذائي، وبناء احتياطات استراتيجية للمواد الأساسية.
-
التحول التكنولوجي: التركيز على الإقلاع الصناعي، الاقتصاد الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
-
إدماج الشباب: جعل قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية عبر رؤية شاملة تضمن تكافؤ الفرص في التعليم والتأهيل والتمكين الاقتصادي.
كما وجّه جلالته نداءً صريحاً إلى القطاع الخاص الوطني ليتحول إلى “فاعل استراتيجي” أكثر مبادرة واقتداماً في الاستثمار، الابتكار، خلق فرص الشغل، والتصدير.
الحكامة الترابية: حسم الحزم مع تماطل اللاتمركز
وفي تشخيص ميداني ودقيق للتحديات الترابية، حذر جلالة الملك من أن التأخير والاختلالات التي تعيق تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري ينعكسان سلباً على البرامج التنموية.
وأكد جلالته بصراحة حازمة أنه “لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل” في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، مشدداً على ضرورة نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية اللازمة من المركز إلى الأقاليم والجهات، ووضع آليات تعاقدية واضحة تتيح للجهات اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع التنموية بعيداً عن العراقيل البيروقراطية.
ملف الهجرة والشراكة مع إسبانيا: السيادة أولاً
وعلى الصعيد الدولي، تناول الخطاب الملكي ملف إدارة تدفقات الهجرة والشراكة مع الجار الإسباني بشفافية عالية، مشيراً إلى أن النموذج الحالي للتعاون أصبح “متجاوزاً” وأثبتت الأزمات المتكررة محدوديته.
وأشار جلالته إلى التحديات الناجمة عن بعض المساطر القانونية المتجاوزة والقرارات القضائية “البعيدة عن الواقع” التي تمنع ترحيل القاصرين والأشخاص مدعي اللجوء، مما يغذي شبكات الهجرة السرية.
وفي رد قاطع على بعض التصريحات والاستغلال السياسي والإعلامي، شدد الملك محمد السادس على أن:
“الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.”
وارتباطاً بذلك، أعلن جلالته أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية جديدة وعملية تؤسس لنموذج جديد للتعاون يضمن التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي.
الواجب الأخلاقي للعمل البرلماني
واختتم العاهل المغربي خطابه الملكي بتذكير ممثلي الأمة بأن الانتداب البرلماني هو “التزام سياسي وتعاقد أخلاقي” أمام الله والمواطنين والتاريخ، داعياً الجميع إلى الارتقاء إلى مستوى هذه المسؤولية الوطنية الجسيمة للنهوض بالتطلعات والمكاسب الوطنية، مستشهداً بقوله تعالى: “مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا”.
